gocorporation
download
شرح أصول في التفسير (الشرح الثاني) - 5
222
عناصر المادة:

(المشهورون بالتفسير من التابعيناشتهر بالتفسير من التابعين كثيرون، منهم: أولًا: أهل مكة، وهم أتباع ابن عباس رضي الله عنه؛ كمجاهد وعكرمة وعطاء بن أبي رباح) واشتهر الثالث من هؤلاء في فقه الحج، حتى كان مرجع الناس في ذلك رضي الله عنه، رحمه الله.(ثانيًا: أهل المدينة، وهم أتباع أبي بن كعب؛ كزيد بن أسلم، وأبي العالية، ومحمد بن كعب القُرظي. ثالثا: أهل الكوفة، وهم أتباع ابن مسعود ؛ كقتادة وعلقمة والشعبي.فلنترجم لحياة اثنين من هؤلاء: مجاهد وقتادة.

أولًا: مجاهد هو مجاهد بن جبر المكي، مولى السائب بن أبي السائب المخزومي، ولد سنة إحدى وعشرين من الهجرة، وأخذ تفسير القرآن عن ابن عباس رضي الله عنهما، روى ابن إسحاق عنه أنه قال: عرضت المصحف على ابن عباس رضي الله عنه ثلاث عرضات، من فاتحته إلى خاتمته، أوقفه عند كل آية وأسأله عنها . وكان سفيان الثوري رحمه الله يقول: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به . واعتمد تفسيره الشافعي والبخاري، وكان كثيرًا ما ينقل عنه في صحيحه) من؟ الطلبة: البخاري.الشيخ: البخاري (وقال الذهبي في آخر ترجمته: أجمعت الأمة على إمامة مجاهد والاحتجاج به. توفي في مكة وهو ساجد سنة أربع ومئة عن ثلاث وثمانين سنة) اللهم ارض عنه، نعم الرجال.

(الثاني: قتادة:هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري، ولد أكمه، أي أعمى) سبحان الله أعمى مع هذا العلم الكثير عنده (سنة إحدى وستين، وجد في طلب العلم، وكان له حافظة قوية، حتى قال عن نفسه: ما قلت لمحدث قط: أعد لي) الله أكبر! ونحن الآن في هذا نقول: أعد أو لا؟ طلبة: ثلاثة. طلبة آخرون: نسجل.الشيخ: نسجل نعم، نقول: أعد وأعد وأعد، لكن يقول: (ما قلت لمحدث قط: أعد لي، وما سمعت أذناي شيئًا قط إلا وعاه قلبي) لا إله إلا الله! ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء (وذكره الإمام أحمد رحمه الله فأطنب في ذكره، فجعل ينشر من علمه وفقهه ومعرفته بالاختلاف والتفسير ووصفه بالحفظ والفقه وقال: قلما تجد من يتقدمه، أمَّا المِثل فلعل)، من القائل؟ أحمد بن حنبل، يقول: لا، (قلما تجد من يتقدمه، أما المثل) أن يكون مثله (فلعل، وقال: هو أحفظ أهل البصرة، لم يسمع شيئًا إلا حفظه، توفي في واسط سنة سبع عشرة ومئة عن ست وخمسين سنة) صغير رحمه الله، هؤلاء من أئمة التفسير من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم وألحقنا بآثارهم، إنه على كل شيء قدير.

***

الطالب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله محمد، وعلى آله وصحبه ومن والاه، قال المؤلف حفظه الله تعالى وزادنا الله وإياه علمًا وهدى وتقوى:(القرآن محكم ومتشابه يتنوع القرآن الكريم باعتبار الإحكام والتشابه إلى ثلاثة أنواع:النوع الأول: الإحكام العام الذي وصف به القرآن كله، مثل قوله تعالى: كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود: ١]، وقوله: الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ [يونس: ١]، وقوله: وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ [الزخرف: ٤].ومعنى هذا الإحكام الإتقان والجودة في ألفاظه ومعانيه، فهو في غاية الفصاحة والبلاغة، أخباره كلها صدق نافعة، ليس فيها كذب ولا تناقض ولا لغو لا خير فيه، وأحكامه كلها عدل وحكمة، ليس فيها جور ولا تعارض ولا حكم سفيه.الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، قال المؤلف رحمه الله وهداه: (القرآن محكم ومتشابه)، هذا العنوان.(يتنوع القرآن الكريم باعتبار الإحكام والتشابه إلى ثلاثة أنواع: النوع الأول: إحكام عام) بمعنى أنه وصف به كل القرآن (مثل قوله تعالى: كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود: ١]) أُحْكِمَتْقيل: المعنى: أتقنت، وقيل: المعنى: أجملت، بدليل قوله: ثُمَّ فُصِّلَتْ، والتفصيل جعله الله تعالى مقابلًا للإحكام، ولكن مع ذلك حتى على هذا الرأي لا يمنع أن يكون محكمًا متقنًا، فيكون محكمًا على سبيل الإجمال والإتقان ومفصلًا أيضًا، مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍوهو الله عز وجل حَكِيمأي ذو حكمة بالغة، خَبِيرأي ذو علم ببواطن الأمور، والعالم ببواطن الأمور عالم بظواهرها، وقوله تعالى: تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ [يونس: ١] أي المحكم، وهذا واضح أنه عام لكل القرآن. وهنا بحث في الرهذه حروف هجائية هل لها معنى في ذاتها؟ لا؛ لأن القرآن بلسان عربي، والعرب لا يرون للحروف الهجائية معنى بذاتها، لكن لها مغزى، وهو أن هذا القرآن الذي أعجز العرب لم يأت بجديد عليهم، بل أتى بما يركبون منه كلامهم، وهي الحروف، ومع هذا عجزوا أن يأتوا بمثله، حتى إن مسيلمة الكذاب وغيره ممن ادعوا النبوة أرادوا أن يأتوا بمثله فأتوا بضحكة مجانية، كل من قرأ، ما قالوا: من الذي زعمه قرآنًا فإنه يضحك منه.وقال عز وجل: وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَاأي عندنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ [الزخرف: ٤] الله أكبر! (علي) يعني: ذو علو وارتفاع، وكل من أخذ بهذا القرآن فسيكون له العلو، حَكِيمٌأي ذو حكم، فهو جامع بين العلو وبين الحكم والسلطان، نعم الشاهد قوله: حَكِيمٌأي: محكم، وحكيم بمعنى حاكم أي عالٍ على غيره، ومعنى هذا الإحكام: الإتقان والجودة في ألفاظه ومعانيه بدون استثناء؟ نعم، بدون استثناء. (فهو في غاية الفصاحة والبلاغة، أخباره كلها صدق نافعة، ليس فيها كذب ولا تناقض، ولا لغو لا خير فيه) وهذا يشمل كل آيات القرآن (وأحكامه كلها عدل وحكمة، ليس فيها جور ولا تعارض ولا حكم سفيه)، ولهذا قال الله عز وجل: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ [الأنعام: ١١٥] أيش؟ صِدْقًا وَعَدْلًاأي صدقًا في الأخبار، وعدلًا في الأحكام، هذا لا إشكال فيه كون نقول: القرآن كله محكم متقن في غاية ما يكون من الجودة والفصاحة، هذا لا إشكال فيه.(النوع الثاني: التشابه العام الذي وصف به القرآن كله، مثل قوله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا [الزمر: ٢٣]) وهو القرآن؛ لأن القرآن أحسن الحديث في صدقه وفصاحته وعدله وغير ذلك، نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِكِتَابًا مُتَشَابِهًاهذا بدل من أَحْسَنَ. مَثَانِيَأي تثنى فيه المعاني والأحكام، فمثلا تجد الله عز وجل في كتابه العزيز إذا ذكر ثواب المؤمنين ذكر عقاب المجرمين، واقرأ المطففين: كتاب الفجار، كتاب الأبرار، ثواب هؤلاء وثواب هؤلاء، أيضا مَثَانِيَبالنسبة لصفات الخلق هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [التغابن: ٢] وقس على هذا. إذن مَثَانِيَأي تثنى فيه المعاني والأحكام والأوصاف. تَقْشَعِرُّنعم، أيش؟طالب: معاني.الشيخ: لا، مثاني مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ [الزمر: ٢٣] تَقْشَعِرُّخوفًا وتعظيما ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِومعنى هذا التشابه أن القرآن كله يشبه بعضه بعضًا في الكمال والجودة والغايات الحميدة، وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢].وهذان القسمان -أعني الإحكام العام والإحكام الخاص- لا إشكال فيهما ولا منازعة فيهما، قد اتفق الناس عليهما. النوع الثالث: وهذا هو المعترك (النوع الثالث: الإحكام الخاص في بعضه والتشابه الخاص في بعضه) يعني أن بعضه متشابه وبعضه محكم، مثل قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ [آل عمران: ٧] (من) هنا معناها التبعيض، وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌتختلف غير واضحة فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ. قوله: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌونحن نعرف أن (أما) حرف تفصيل، فأين المفصل الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌهذا واحد وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِهذا الثاني، ولهذا قدره بعض الناس فقال: وأما الراسخون في العلم.إذن انقسم الناس في هذا إلى قسمين: قسم في قلوبهم زيغ، أي ميل عن الهدى والحق فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُيتطلبون الآيات المتشابهة ويلقونها ليشبهوا على الناس ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِأي ابتغاء صد الناس عن الحق.والفتنة تأتي لمعانٍ، منها: الصد عن سبيل الله، قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [البروج: ١٠]. أيضًا: ابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِأي: طلب تأويله، أي: تفسيره على ما يريدون، لا على ما يريد الله عز وجل.وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِفي هذه الجملة اختلف السلف والخلف هل يوقف على إِلَّا اللَّهُأو يوصل ويقال: إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ، فيها قراءتان، وأكثر السلف على قراءة الفصل، يعني الوقف وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهفتقف، ويكون وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِمبتدأ، وجملة يَقُولُونَخبر، وبعض السلف يصل ويقول: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِأيضًا يعلمون، وتكون جملة يَقُولُونَحالًا من الراسخين في العلم، أي في موضع نصب، كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَاوإذا كان كل من عند الله فلن يكون فيه اختلاف ولا تناقض، ويُحمَل المتشابه على المحكم، فيصير الجميع محكمًا، قال الله تعالى: وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِصدق الله، لا يتذكر بالقرآن ومواعظه إلا أصحاب العقول؛ لقول الله تعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ [ص: ٢٩] أكمل. طلبة: وَلِيَتَذَكَّرَ.الشيخ: وَلِيَتَذَكَّرَمن؟ طلبة: أُولُو الْأَلْبَابِ. الشيخ: أُولُو الْأَلْبَابِ.(ومعنى هذا الإحكام أن يكون معنى الآية واضحًا جليًّا لا خفاء فيه)، إذن الإحكام هنا غير الإحكام السابق، الإحكام هنا يعني الوضوح والبيان الذي لا إشكال فيه، مثل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا [الحجرات: ١٣] وقوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: ٢١]، وقوله تعالى: أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ [البقرة: ٢٧٥]، وقوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِه [المائدة: ٣] والأمثلة كثيرة، هذا نسميه أيش؟ محكمًا؛ لأنه واضح المعنى كل يعرف أن الله خلقه، كل يعرف معنى الذكر والأنثى وهلم جرًّا، ما يشكل على أحد، هذا نسميه الإحكام الخاص، يعني الذي يختص ببعض القرآن.(ومعنى هذا التشابه) ويش التشابه؟ الخاص ولّا العام؟ الخاص.(ومعنى هذا التشابه: أن يكون معنى الآية مشتبهًا خفيًّا، بحيث يتوهم منه الواهم ما لا يليق بالله تعالى، أو كتابه أو رسوله، ويفهم منه العالم الراسخ في العلم خلاف ذلك) شوف، هذا هو المشكل، يكون المعنى خفيًّا، يفهم منه الذي في قلبه زيغ معنى، ويفهم الراسخ في العلم معنًى آخر.فإن قال قائل: ما الحكمة من وجود هذا في القرآن الكريم؟ نعم، قيل: الحكمة من هذا: الامتحان واختبار العباد، هل يردون المتشابه إلى المحكم أو بالعكس؟ولهذا يحصل النزاع بين العلماء في معنى هذه الآيات المتشابهة، فهذه هي الحكمة من كون بعضه متشابهًا وبعضه محكمًا (مثاله فيما يتعلق بالله تعالى أن يتوهم واهم من قوله تعالى) أيش؟ طلبة: بَلْ يَدَاهُ. الشيخ: (من قوله تعالى: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: ٦٤] أن لله يدين مماثلتين لأيدي المخلوقين). هذا متشابه، من قال: إنه متشابه؟ قال: إن بعض الناس توهم أن لله يدين مماثلتين لأيدي المخلوقين، من هؤلاء؟ طالب: المشبهة.طالب آخر: الممثلة.الشيخ: الممثلة، بعض الناس بالعكس، قال: ليس لله يدان حقيقيتان، ولكن المراد باليدين النعمة، أي لله نعمتان مبسوطتان، كيف نعمتان، إن الله يقول: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [إبراهيم: ٣٤]؟ قالوا: نعمتان باعتبار الجنس، أي نعمة دين ونعمة دنيا، وإن كانت لا تعد أفرادها، فيقال: هذا من المتشابه، ولهذا انقسم الناس فيه إلى ثلاثة أقسام: قسم مثَّل، وقسم عطّل، وقسم أثبت مع نفي التمثيل، أيهم أسعد بالدليل؟ طلبة: الثالث.الشيخ: الثالث أسعد بالدليل؛ لأن الذي أخبرنا أن له يدين هو الله عز وجل، وهو أعلم بنفسه وبغيره، وهو أعلمنا، أنه لا مثل له، ولذلك ضل من ضل من الخلق بهذا. (مثاله أيضًا فيما يتعلق بكتاب الله أن يتوهم واهم تناقض القرآن وتكذيب بعضه بعضًا حين يقول: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء: ٧٩]) إذن قسم الله عز وجل المصائب إلى: حسنة وسيئة، الحسنة من الله، والسيئة من الإنسان، ويقول في موضع آخر: وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [النساء: ٧٨] كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِما هذا؟ الحسنة والسيئة، فيقول القائل: هذا تناقض ويلبس.ولهذا أمثلة أخرى؛ ذكر الله أن يوم القيامة تسود وجوه وتبيض وجوه، وذكر أن المجرمين يحشرون يومئذٍ زرقًا، كيف أسود وأزرق؟ تناقض، كيف نجمع؟ نقول: أما الآية الأولى مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء: ٧٩] فالمراد بقوله: وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَيعني أنك أنت السبب، ويدل لهذا قوله تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِير [الشورى: ٣٠]، وأما الحسنة فهي فضل من الله عز وجل، تفضل بها عليك، وليس لك حق على ربك أن يتفضل عليك، بل هو يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، الآن هل حصل تناقض أو لا؟ لا، فـمَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِباعتبار إيجادها والتفضل بها، وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَباعتبار السبب، يعني أنك أنت السبب.طيب في المثال اللي ذكرنا زرقًا وتسود وجوه يقال: كم يوم القيامة من الوقت كم؟ خمسون ألف سنة تتغير الأمور في هذه الخمسين تتغير من زرقة إلى سواد، أو من سواد إلى زرقة، وبعضهم قال: الجمع أن الأزرق الشديد الزرقة يميل إلى السواد. فالله أعلم، على كل حال القرآن لا يمكن يتناقض إطلاقًا. (ومثاله فيما يتعلق برسول الله صلى الله عليه وسلم: أن يتوهم واهم من قوله تعالى فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [يونس: ٩٤] أن النبي صلى الله عليه وسلم كان شاكًّا فيما أنزل إليه)، وهذه وصمة عظيمة إِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشك، ولا يمكن أن يشك، وقد شهد الله له بالإيمان في قوله: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِإلى آخره [البقرة: ٢٨٥]. ما موقف الزائغين من هذه الآيات؟ أنهم يتبعون؟ طلبة: المتشابه.الشيخ: المتشابه، فيقولون في المثال الأول: إن الله سبحانه وتعالى له يدان مماثلتان لأيدي المخلوقين، وفي المثال الثاني يقولون: إن القرآن متناقض، وفي المثال الثالث يقولون: إن محمدًا شاك، فيطعنون في الله وفي القرآن.طالب: وفي الرسول. الشيخ: وفي الرسول. ما موقف الراسخين في العلم والزائغين من المتشابه؟ يقول: (إن

موقف الراسخين في العلم من المتشابه وموقف الزائغين منه بينه الله تعالى فقال في الزائغين: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ [آل عمران: ٧]) ابْتِغَاءَبمعنى طلب، والفتنة: الصد عن الحق، والتأويل: التفسير على ما يريدون (وقال في الراسخين في العلم: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا [آل عمران: ٧] فالزائغون يتخذون من هذه الآيات المتشابهات وسيلة للطعن في كتاب الله وفتنة الناس عنه وتأويله لغير ما أراد الله، فيضلون ويضلون.وأما الراسخون في العلم فيؤمنون بأن ما جاء في كتاب الله تعالى فهو حق، وليس فيه اختلاف ولا تناقض؛ لأنه من عند الله وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢]، وما جاء مشتبهًا ردوه إلى المحكم ليكون الجميع محكمًا. ويقولون في المثال الأول) ما هو؟ طلبة: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: ٦٤].الشيخ: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ(إن لله يدين حقيقيتين على ما يليق بجلاله وعظمته، لا تماثلان أيدي المخلوقين، كما أن له ذاتًا لا تماثل ذوات المخلوقين؛ لأن الله تعالى يقول: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير [الشورى: ١١]). وانتهى الإشكال.(ويقولون في المثال الثاني: إن الحسنة والسيئة كلتاهما بتقدير الله عز وجل، لكن الحسنة سببها التفضل من الله على عباده، أما السيئة فسببها فعل العبد؛ كما قال عز وجل: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِير [الشورى: ٣٠]، فإضافة السيئة إلى العبد من إضافة الشيء إلى سببه، لا من إضافته إلى مقدره، أما إضافة الحسنة والسيئة إلى الله فمن باب إضافة الشيء إلى مقدره، وبهذا يزول ما يوهم الاختلاف بين الآيتين؛ لانفكاك الجهة) واضح يا إخوان؟طلبة: واضح.الشيخ: يحتاج إلى شرح ولّا ما يحتاج؟طلبة: ما يحتاج شرحًا.الشيخ: طيب (ويقولون في المثال الثالث: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقع منه شك فيما أنزل إليه، بل هو أعلم الناس به، وأقواهم يقينًا؛ كما قال الله تعالى في نفس السورة: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّه [يونس: ١٠٤] الآية، المعنى: إن كنتم في شك منه فأنا على يقين منه، ولهذا لا أعبد الذين تعبدون من دون الله، بل أكفر بهم وأعبد الله). واضح؟ طيب.وكذلك ما ذكرنا قبل أن الله شهد له بالإيمان في قوله: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ [البقرة: ٢٨٥].(ولا يلزم من قوله: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ [يونس: ٩٤] أن يكون الشك جائزًا على الرسول صلى الله عليه وسلم أو واقعًا منه) لا يمكن، لا يلزم؛ لأن (إن) تدخل على المستحيل وتدخل على الممكن (ألا ترى إلى قوله تعالى: قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ [الزخرف: ٨١]) إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَهل يلزم من هذه الجملة الشرطية أن يجوز أن يكون لله ولد؟ لا.ولهذا قال: (هل يلزم منه أن يكون الولد جائزًا على الله أو حاصلًا؟ كلا، فهذا لم يكن حاصلًا ولا جائزًا على الله، قال الله تعالى: وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم: ٩٢، ٩٣]، ولا يلزم من قوله: فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [البقرة: ١٤٧] أن يكون الامتراء واقعًا من الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن النهي عن الشيء قد يوجه إلى من لم يقع منه، ألا ترى قوله تعالى: وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [القصص: ٨٧]، ومن المعلوم أنهم لم يصدوا النبي صلى الله عليه وسلم عن آيات الله، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقع منه شرك، والغرضُ من توجيه النهي إلى من لا يقع منه: التنديدُ بمن وقع منهم والتحذير من منهاجهم. وبهذا يزول الاشتباه).إذن لَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَليس معناها أنه مشرك، بل فيه: توجيه النهي إلى من لا يقع منه، التنديد بمن وقع منه والتحذير منه.بقي علي أن أقول: ذكرنا أن في الآية الكريمة -آية آل عمران- قولان في الوقف على إِلَّا اللَّهُ [آل عمران: ٧] أو الوصل وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم [آل عمران: ٧] وليس بين القراءتين اختلاف، فالذين وقفوا على إِلَّا اللَّهُقالوا: إن التأويل هو علم حقائق هذه المشتبهات ومآلها في المستقبل، وهذا لا يعلمه إلا الله، والذين وصلوا قالوا: المراد بالتأويل التفسير، وإذا كانت المراد بالتأويل التفسير هل يعلمه الراسخون في العلم؟ نعم. ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما: أنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويله .في الآية إشكال في قوله: إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَويش معنى الآية؟ قال بعضهم: إن إِنْبمعنى (ما)، أي: ما كان للرحمن ولد، ولكن هذا خلاف ظاهرها، ينافي ظاهرها منافاة تامة؛ لأن الآية صريحة أن (إن) شرطية، ومعناها: إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين لهذا الولد، فيكون بهذا تنديد لمن؟ للنصارى الذين يعبدون عيسى، فيقول: إن كان للرحمن ولد فأنا أسبقهم إلى عبادته، لكن لم يكن له ولد، فلا حق لعيسى في العبادة.

***

(أنواع التشابه في القرآنالتشابه الواقع في القرآن نوعان:أحدهما: حقيقي، وهو: ما لا يمكن أن يعلمه البشر) والثاني إضافي كما سيأتي (كحقائق صفات الله عز وجل، فإننا وإن كنا نعلم معاني هذه الصفات، لكننا لا ندرك حقائقها وكيفيتها؛ لقوله تعالى: وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [طه: ١١٠] وقوله تعالى: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير [الأنعام: ١٠٣]).حقائق الصفات لا يمكن إدراكها، وهذا تشابه حقيقي، كل إنسان لا يمكن أن يدرك حقيقة صفات الله، وإن ادعى أنه يدرك فهو كاذب، ولهذا قال الله عز وجل: وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [البقرة: ٢٥٥]، وقال عز وجل: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُوإن رأته؛ لأنه أعظم من أن تحيط به الأبصار. (ولهذا لما سئل الإمام مالك رحمه الله عن قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥] كيف استوى؟ قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة). هذا رجل أتى إلى الإمام مالك وهو في الطلبة في المسجد النبوي وقال له: يا أبا عبد الله الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىكيف استوى، أيش لون يعني؟ فأطرق مالك برأسه وجعل يتصبب عرقًا لأيش؟ لشدة هذا السؤال وفظاعته، ثم رفع رأسه وقال: يا هذا الاستواء غير مجهول -يعني أنه معلوم، استوى على كذا أي علا عليه- والكيف غير معقول -يعني لا يمكن أن ندرك كيفية صفاته بعقولنا- والإيمان به -أي بالاستواء- واجب، والسؤال عنه -أي عن كيفيته- بدعة، وما أراك إلا مبتدعًا. ثم أمر به فأخرج من المسجد ، أخرج من مسجد الرسول ليتقي الناس شره.فتأمل صرامة مالك رحمه الله في مثل هذا الأمر الفظيع. وهكذا ينبغي لنا أن نكون صارمين في كل من سأل مثل هذا السؤال، لو قال: كيف أصابع الله أيش نقول؟ نقول: الأصابع معلومة، والكيف مجهول، والإيمان بها واجب، والسؤال عنها بدعة.

***

هذا السؤال يقول: هل باب الأسماء وصفات الله من باب المتشابه؟ وهذا يقول: وقد قرأت لبعض أهل العلم أنه يقول: إنه لا ينبغي إطلاق المتشابه على باب الأسماء والصفات، بل هو من المحكم.أولا: لا يجوز إطلاق أن آيات الصفات من المتشابه، نعم، لكن إذا أطلق عليها المتشابه فإننا نقول: إن أراد بالتشابه خفاء المعنى فهذا غلط؛ لأن معناها واضح ظاهر، وإن أراد خفاء الحقائق فهذا صحيح، هذا من المتشابه؛ لأن لا يمكن أن نصل إلى معرفة حقائقها.طالب: هناك حديثان ما ظهر لي التوفيق بينهما، هو حديث: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ مِئَةَ مَرَّةٍ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا رَجُلٌ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ أَوْ زَادَ عَلَيْهِ» . في حديث آخر: «مَنْ قَالَهُ فِي يَوْمٍ مِئَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ عَنْهُ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» ، وفي لفظ: «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ» في الأول، فما وجه هذه الروايات الثلاث، التوفيق بينها؟ الشيخ: ويش الإشكال؟ الطالب: الإشكال يا شيخ هل هذه كلها يعني فعل لجزاء واحد، أو يقال: هذا ذكر منفصل عن هذا، لا سيما مع رواية..الشيخ: الذكر الأول ماذا يقول؟ الطالب: «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ مِئَةَ مَرَّةٍ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ أَوْ زَادَ عَلَيْهِ» وفي لفظ «الْعَظِيمِ» بزيادة «الْعَظِيمِ». الشيخ: ما فيها إشكال، يعني لم يأت أحد بأفضل منه، وجزاؤه أيضًا أن تُغفر له خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر، أما الزيادات -زيادة البعض على البعض- فإن كانت من ثقة فهي مقبولة، وإن كان من غير ثقة تكون شاذة.الطالب: يعني هذه الزيادة ما يدخل الإنسان في الذكر الأول إلا إذا زاد مئة، إلا إذا قال بها.. الشيخ: لا، إذا زاد فهو أنه أفضل ممن لم يزد.الطالب: ذكرنا أن هذه الفروق (...).الشيخ: في الغالب إي نعم. الطالب: في سورة مريم (...).الشيخ: كيف؟ ما ذكر، شيئًا؟ طالب: (...).الشيخ: نعم، إذا قلنا: في الغالب وجاءت سورة لم يذكر فيها تنتقد القاعدة؟ طالب: (...).الشيخ: لا، ذكرنا القاعدة من قبلها، كل ما نقول هذا نقول: في الغالب. طلبة: نعم.الشيخ: هذه واحدة، الشيء الثاني الإخبار عن شيء لا يعلمه الناس، هذا من خصائص القرآن مثلًا: الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ [الروم: ١، ٢] ما فيها ذكر القرآن، لكن فيها خبر عن شيء مستقبل لا يكون إلا بالوحي، وأيضًا إذا قلنا: في الغالب انتهى الموضوع، ما فيه إشكال.

***

طالب: للراسخين في العلم دون غيرهم، وهذا النوع يُسأل عن استكشافه وبيانه لإمكان الوصول إليه؛ إذ لا يوجد في القرآن شيء لا يتبين معناه لأحد من الناس، قال الله تعالى: هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: ١٣٨] وقال: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل: ٨٩] وقال: فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ [القيامة: ١٨، ١٩] وقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا [النساء: ١٧٤].الشيخ: طيب، بسم الله الرحمن الرحيم، سبق لنا أن الإحكام والتشابه ثلاثة أنواع:الأول: الإحكام العام الذي يوصف به جميع القرآن، والثاني: التشابه العام الذي يوصف به جميع القرآن، والثالث: الإحكام الخاص الذي يوصف به بعض القرآن، والتشابه الخاص الذي يوصف به بعض القرآن أليس كذلك؟ هذا التشابه ينقسم إلى قسمين أو إلى نوعين: تشابه حقيقي، يعني يشتبه على كل الناس لا يعلمونه؛ كحقائق صفات الله عز وجل، فهذا من التشابه الذي لا يمكن العلم به، أحوال اليوم الآخر لا يمكن تحقيقها أبدًا، الآن نحن نؤمن بأن هذه الجبال العظيمة الشامخة ستكون كثيبًا مهيلًا، ستكون كالعهن المنفوش، أنت لا تتصور الآن كيف تكون بالضبط، نؤمن بأن في الجنة فاكهة ونخلًا ورمانًا ولحم طير وعسلًا ولبنًا وخمرًا وماءً، هل نحن نعرف حقيقة ذلك؟الجواب: لا؛ لأن الله تعالى يقول في القرآن: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة: ١٧] ويقول في الحديث القدسي: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» أفهمتم الآن؟ هذا نقول: إنه متشابه أيش؟ تشابهًا حقيقيًّا، تشابه مطلق لا يمكن لأحد أن يعلم به. الثاني: نسبي، وهذا هو الذي يكون عند كثير من الناس، (الثاني: نسبي، وهو ما يكون مشتبهًا على بعض الناس دون بعض، فيكون معلومًا للراسخين في العلم دون غيرهم) هذا يقول: إنه (يُسأل عن استكشافه)، والأول الحقيقي؟ لا يسأل؛ لأن الأول السؤال عنه لغو، وإذا كان سؤال دين فهو بدعة، هذا النوع المشتبه على بعض الناس دون بعض يسأل عنه ويستكشف حتى يتبين للإنسان معناه، وله أمثلة، يقول المؤلف: (وهذا النوع يسأل عن استكشافه وبيانه لإمكان الوصول إليه؛ إذ لا يوجد في القرآن شيء لا يتبين معناه لأحد من الناس) أبدًا، القرآن لا يمكن أن يوجد فيه شيء لا يعرفه أحد، أبدًا هذا غير ممكن، الدليل قوله تعالى: هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِوهذا عام وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: ١٣٨]، وقال تعالى: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَأيش؟ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل: ٨٩]، أي لأجل بيان كل شيء، فكل شيء يحتاج الناس إلى بيانه فإنه موجود في القرآن؛ إما منصوصًا عليه وإما مدلولًا عليه بالإشارة.وقرأت لبعض العلماء المعاصرين أنه كان في مطعم في إحدى الدول الغربية، وأظنها باريس، والمطعم يعم الصالح والطالح، وكان في هذا المطعم رجل من النصارى ممن قرؤوا القرآن، لكنهم لم ينتفعوا به، فأتى إلى هذا العالم ليشبه عليه وقال: إن قرآنكم تبيان لكل شيء؟ قال: نعم، هو تبيان لكل شيء، وإذا بين يديه زلطة وساندوتش وأشياء من المأكولات، فقال له هذا النصراني: كيف نصنع هذا؟ أرنيه في القرآن؟ سؤال ما له وجه في الواقع، هل القرآن نزل ليكون إرشادًا للمطابخ؟ لا، لا شك، لكنه يريد أن يمتحن هذا الرجل ويشكك من حوله، قال: ما تقول؟ قال: أقول: هل في القرآن بيان كيف نصنع هذا؟ قال: نعم في القرآن، قال: وين؟ أين هو؟ ما في القرآن شيء. قال: فيه، تعال، راح على المطبخ، تعال فجاء، قال: كيف صنعت هذا؟ أخبره؛ شذب البصل وأيش الثاني؟ زلطة و(...) والأشياء هذه، قال: هكذا جاء في القرآن. كيف؟ قال: إن الله تعالى قال في القرآن: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النحل: ٤٣] فما لم ينص عليه القرآن أرشدنا كيف نتوصل إليه. فصار القرآن الآن مبينًا أو غير مبين؟ مبينًا؛ لأن الذي يرشدك إلى الطريق، إلى الذي تصل به إلى مقصودك قد بين، فبهت الذي كفر.فالمهم أن الله تعالى قال: نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل: ٨٩] مبين لكل شيء، لكن إما على وجه صريح أو على وجه الإيماء والإشارة، وقال الله عز وجل: فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ [القيامة: ١٨، ١٩] إذا قرأناه يخاطب من؟ فاتبع اتبع يخاطب من؟ طالب: الرسول. الشيخ: يخاطب النبي، هل الله يقرؤه عليه؟ من يقرؤه؟ طلبة: جبريل.الشيخ: جبريل، لكن لما كان جبريل رسولًا من رب العالمين صار قراءته كقراءة الله، أطلق الله الفعل على نفسه والمراد رسوله؛ لأن رسوله مبلغ عنه، ومن هنا نصل إلى فائدة عظيمة في قول الله تبارك وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِم [الفتح: ١٠].لو قال قائل: كيف يبايعون الله؟ الله على العرش في السماء وهؤلاء في الأرض تحت الشجرة، كيف يبايعون الله؟نقول: نعم، يبايعون الله لأنهم يبايعون رسوله، ومبايعة رسوله مبايعة له، وكذلك قال: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح: ١٠]، ما الذي فوق أيديهم من الأيدي؟ أيدي الرسول عليه الصلاة والسلام، يد الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لكن لما كانت يد رسول الله صارت كأنها يد الله، وحينئذ لا إشكال في الآية، خلافًا لمن لجلج وعجعج وقال: هذه الآية مشكلة، هذه تدل على أن الله في كل شيء، في كل مكان؛ لأن الله يقول: إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِم [الفتح: ١٠] فيقال: لما كانت اليد يد رسوله أطلق عليها أنها يده عز وجل؛ كما أن قراءة جبريل للقرآن لما كانت بإرسال من الله أطلق الله تعالى أنه هو الذي قرأ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُبَيَانَهُلأيش؟ لفظًا أو معنى؟ طلبة: (...). الشيخ: لفظًا ومعنًى، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ: يَا أَيُّهَا النَّاسُعمومًا قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْأي: دليل قاطع وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا [النساء: ١٧٤].(وأمثلة هذا النوع كثيرة، منها قوله تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء [الشورى: ١١]) ما هو النوع الذي أشرنا إليه؟ التشابه النسبي. (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءحيث اشتبه على أهل التعطيل، ففهموا منه انتفاء الصفات عن الله تعالى، وادعوا أن ثبوتها يستلزم المماثلة، وأعرضوا عن الآيات الكثيرة الدالة على ثبوت الصفات له، وأن إثبات أصل المعنى لا يستلزم الممماثلة)، هذه الآية استدل بها المعطلة على أيش؟ على نفي الصفات عن الله، وقالوا: أي صفة تثبتها وفي المخلوق مثلها فقد مثلت، فلا تثبت العين ولا الوجه ولا اليد ولا القدم ولا الساق، لو فعلت ذلك لمثلت، فاشتبه عليهم المعنى، ولم ينظروا إلى الآيات الكثيرة التي فيها إثبات الصفات لله. (ومنها قوله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء: ٩٣] حيث اشتبه على الوعيدية)، .والوعيدية هم الخوارج والمعتزلة؛ لأن كلًّا منهم -أي من الخوارج والمعتزلة- يقول: إن فاعل الكبيرة مخلد في النار، لكن الخوارج أشجع من المعتزلة، الخوارج قالوا: إنه كافر، والمعتزلة داهنوا وقالوا: أعوذ بالله، ما نقول: كافر، تقول مؤمن؟ قال: لا. ويش تقول؟ قال: أقول: في منزلة بين منزلتين. من أين جاء بمنزلة بين المنزلتين والله عز وجل جعل الخلق قسمين فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [التغابن: ٢]، ما فيه قسم ثالث، لكن هذا سببه الرجوع إلى العقل والإعراض عن النص، ولهذا يسمي بعض العلماء يسمي المعتزلة عقلاء المبتدعة، عقلاء، وهل هذا صحيح أنهم عقلاء المبتدعة؟ لا، أولًا: المبتدعة ما فيهم عقل، خالفوا العقل بقدر ما فعلوا من البدعة. وثانيًا: أن العقل يقتضي التزام النص، لا مخالفة النص.على كل حال هؤلاء الوعيدية وهم الخوارج والمعتزلة (ففهموا منه أن قاتل المؤمن عمدًا مخلد في النار، وطردوا ذلك في جميع أصحاب الكبائر، وأعرضوا عن الآيات الدالة على أن كل ذنب دون الشرك فهو تحت مشيئة الله)، الدليل على أن كل ذنب تحت مشيئة الله سوى الشرك قول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء: ٤٨]، ومن المناسبات الجيدة الطيبة أن هذه الآية: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا [النساء: ٩٣] وقعت بين آيتين كلتاهما تدل على أن ما سوى الشرك فإنه تحت المشيئة، في أول السورة سورة النساء: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا [النساء: ٤٨] ثم جاءت آية القتل، ثم جاءت الآية الثانية: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا [النساء: ١١٦].إذن الآية لا تدل على أن قاتل النفس مخلد أبدًا في نار جهنم؛ لأن الآيات الأخرى والنصوص الأخرى تدل على أن ما دون الشرك فهو تحت المشيئة، لكن الواقع أن فيها إشكالًا؛ لأننا إذا قررنا هذه القاعدة، وقلنا: ما دون الشرك فإنه قابل للمغفرة، فيها إشكال وهو قوله: وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء: ٩٣]. الإشكال في قوله: خَالِدًا فِيهَالأن الأصل في الخلود هو الدوام، هذا الأصل، وإذا ذكر التأبيد فهو من باب التوكيد، فيقال: هذا من جنس النصوص التي فيها الوعيد، فالقتل سبب لهذا، لكن إذا وجد المانع انتفى مفعول السبب، وتجدون هذا ظاهرًا في أسباب الإرث وموانع الإرث، القرابة من أسباب الإرث، وإذا كان القريب كافرًا والميت مسلمًا امتنع الإرث، فالأشياء لا تتم إلا بوجود شروطها وانتفاء موانعها.فإذا قال قائل: إذن سلبتم نص الوعيد معناه إذا كان هذا لا يتحقق لوجود المعنى إذن هنا ما الفائدة؟ قلنا: الفائدة أمران؛ الأمر الأول: التغليظ في الوعيد، أسلوب جرى به لسان العرب أو لا؟ التغليظ في الوعيد وإن لم تنزل العقوبة بالفاعل أسلوب من أساليب العرب، بل حتى في عرفنا الآن تقول الأم لولدها: والله إن فعلت هذا لأكسر رجليك، هل هي تصدق بأنه إذا فعله كسرت رجليه؟ طلبة: لا. الشيخ: حلفت أقسمت. طالب: تغليظ.الشيخ: هذا التغليظ، والتغليظ في الوعيد مما جاءت به اللغة العربية، هذه واحدة.الوجه الثاني: أنه ربما يكون قتله للمؤمن عمدًا سببًا لكفره، وإذا كفر استحق أيش؟ الخلود في النار والعياذ بالله، ولهذا جاء في الحديث: «لَا يَزَالُ الرَّجُلُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا» يعني في سعة من دينه إلا إذا أصاب دمًا حرامًا ضاق عليه الدين، وربما فر منه. فصار الجواب من وجهين: الوجه الأول؟ طالب: من باب الوعيد يا شيخ.الشيخ: من باب الوعيد. الطالب: (...) على لسان العرب يعني التغليظ. الشيخ: التغليظ في الوعيد، نعم للنفور منه، طيب هذا واحد. الطالب: ثانيًا: أن قتل المؤمن سبب للخلود في النار إذا.. الشيخ: أنه ربما يكون هذا القتل العمد سببًا. الطالب: للخلود في النار. الشيخ: للكفر، لا، للكفر الذي يكون به الخلود في النار. الطالب: (...). الشيخ: يشهد له الحديث: «لَا يَزَالُ الرَّجُلُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا» طيب. (ومنها) يعني من الآيات المتشابهة (قوله تعالى: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير [الحج: ٧٠]) أَلَمْ تَعْلَمْهذه تؤول إلى: قد علمت؛ لأن الهمزة هنا للتقرير، الهمزة للتقرير مثلها؛ كقوله تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: ١] يعني: قد شرحنا لك صدرك، أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِكل ما في السماء والأرض فإنه معلوم عند الله عز وجل؛ من صغير وكبير وعظيم وحقير. إِنَّ ذَلِكَأي ما كان في السماء والأرض في كتاب، أو إن ذلك العلم في كتاب وهو اللوح المحفوظ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير.(حيث اشتبه على الجبرية ففهموا منه أن العبد مجبور على عمله، وادعوا أنه ليس له إرادة ولا قدرة عليه، وأعرضوا عن الآيات الدالة على أن للعبد إرادة وقدرة، وأن فعل العبد نوعان: اختياري وغير اختياري).الجبرية استدلوا بنصوص القضاء والقدر على الجبر، والغريب أن نفس استدلالهم دليل عليهم، نقول: أنتم الآن تخاطبوننا هل تشعرون أنكم مجبرون؟ إن كان كذلك فقولكم لا حكم له؛ لأن المكره أيش؟لا حكم لقوله ولا لفعله، فأنتم الآن خاصمتم أنفسكم، نقول لهم الآن: أنتم الآن تحاجوننا تقول: الإنسان مجبر على عمله، لا اختيار له، حجتكم الآن أو محاجتكم الآن هل هي باختياركم أو مجبرون عليها؟ إن قالوا: باختيارنا أيش؟ خاصموا أنفسهم، إن قالوا: مجبرون، قلنا: هذا أيضًا خصم لكم؛ لأن المجبر أيش؟ لا حكم لقوله، ولهذا لو أكره الإنسان على الكفر لم يكن كافرًا، نعم لكن هناك نصوص كثيرة تدل على أن للعبد إرادة وقدرة، وليس هذا موضع بسطها؛ لأنها معروفة والحمد لله، لكنه اشتبه عليهم هذا، والراسخون في العلم أصحاب العقول يعرفون كيف يخرجون هذه الآيات المتشابهة إلى معنى يتلاءم مع الآيات الأخرى، فيبقى القرآن كله محكمًا لا اشتباه فيه، والحمد لله، نعمة، ولهذا ينبغي للإنسان أن يسأل الله تعالى دائمًا أن يهديه للحق.وانظر إلى فعل الرسول عليه الصلاة السلام: كان يفتتح قيام الليل، وهو أول صلاة يصليها بعد النوم بقوله: «اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ» ، وهو الرسول عليه الصلاة والسلام، يسأل الله أن يهديه لما اختلف فيه من الحق، فأنت يا أخي اسأل الله دائمًا أن يهديك لما اختلف فيه من الحق، سواء في العقائد أو في العمليات؛ لأن الإنسان بشر يجهل كثيرًا وينسى كثيرًا، وقد قال الله تعالى: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: ٨٥]، لا تعتمد على ذكائك ولا على حفظك ولا على كثرة علومك، اعتمد على الله واسأل الله دائمًا أن يهديك لما اختلف الناس فيه من الحق.

***

(الحكمة في تنوع القرآن إلى محكم ومتشابه).

يقول: (لو كان القرآن كله محكمًا لفاتت الحكمة من الاختبار به تصديقًا أو عملًا لظهور معناه) صحيح، لو كان القرآن كله محكمًا ما فيه متشابه لفاتت الحكمة من الاختبار؛ لأن المتشابه يختبر به العبد هل يأخذ به أو يرده للمحكم ولو كان نعم (أو عملًا؛ لظهور معناه وعدم المجال لتحريفه والتمسك به والتمسك بالمتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، ولو كان كله متشابهًا لفات كونه بيانًا وهدى للناس، ولما أمكن العمل به وبناء العقيدة السليمة عليه، ولكن الله تعالى بحكمته جعل منه آيات محكمات يرجع إليهن عند التشابه، وأخر متشابهات امتحانًا للعباد ليتبين صادق الإيمان ممن في قلبه زيغ، فإن صادق الإيمان يعلم أن القرآن كله من عند الله، وما كان من عند الله فهو حق، ولا يمكن أن يكون فيه باطل أو تناقض؛ كقول الله تعالى: لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت: ٤٢] ولقوله تعالى: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢]) إذن الحكمة هي الامتحان، امتحان الناس هل يؤمنون بالمحكم والمتشابه أو يهلكون عند متشابهه. (وأما من في قلبه زيغ فيتخذ من المتشابه سبيلًا إلى تحريف المحكم واتباع الهوى في التشكيك في الأخبار والاستكبار عن الأحكام، ولهذا تجد كثيرًا من المنحرفين في العقائد والأعمال يحتجون على انحرافهم بهذه الآيات المتشابهة). طيب، إذن انتبهوا لهذه الحكمة يا إخوان، قد يقول قائل: لماذا لم يجعل الله القرآن كله محكمًا؟ نعم، للامتحان والاختبار؛ لأنه لا يمكن معرفة المؤمن حقًّا من غيره إذا كان كله محكمًا؛ لأن كلًّا سيؤمن به، لماذا لم يكن كله متشابهًا؟ لأنه لو كان كذلك لم يكن هدى للناس ولا فرقانًا بين الباطل والحق، ولأصبح الناس في شك في عقائدهم وفي أعمال جوارحهم. طيب بحث جديد.

***

(موهم التعارض في القرآن).وهذا من أهم ما يكون معرفة، يعني أنه يجب علينا أن نعرفه تمامًا؛ وهنا قلنا: (موهم التعارض) ولم نقل: التعارض في القرآن، لماذا؟ طلبة: لا تعارض. الشيخ: لأنه لا تعارض، وإنما يتوهم الواهم أن هناك تعارضًا.يقول: (التعارض أن تتقابل آيتان بحيث يمنع مدلول إحداهما مدلول الأخرى، مثل أن تكون إحداهما مثبتة لشيء والأخرى نافية له). هذا التعارض، يعني التقابل من كل وجه يسمى تعارضًا؛ لأن كل واحد اعترض طريق الآخر ومنعه، والتعارض يقول: (ولا يمكن أن يقع التعارض بين آيتين مدلولهما خبري)، هذا ضابط، التعارض بين آيتين مدلولهما خبري لا يمكن أن يكون، يعني لا يمكن أن يخبر الله بشيء ثم يخبر بضده، هذا مستحيل، ليش؟ لأن الله تعالى عالم بكل شيء ولا يمكن أن يكون جاهلًا ثم علم، ولهذا يقول هنا: (ولا يمكن أن يقع التعارض بين آيتين مدلولهما خبري؛ لأنه يلزم كون إحداهما كذبًا، وهو مستحيل في أخبار الله).أيضًا يلزم شيء آخر أشرنا إليه، يلزم أن يكون الله تعالى جاهلًا ثم علم، فيلزم علي الآن إما أن يكون الله -وحاشاه- كاذبًا، وإما أن يكون -وحاشاه أيش؟- جاهلًا، وكلاهما ممتنع، أنا لو قلت: جاء زيد في الساعة التاسعة والنصف، هذا خبر ويش مدلوله؟ مجيء زيد في هذا الوقت الساعة التاسعة والنصف، ثم قلت: لم يأت زيد في الساعة التاسعة والنصف أيش هذا؟ يلزم أني كاذب إما في الخبر الأول وإما في الخبر الثاني، أو أنني كنت جاهلًا وتبين أنه ليس كذلك، كنت جاهلا أنه قدم الساعة التاسعة والنصف ثم تبين لي فقلت: لم يقدم، ومعلوم أن الله عز وجل ليس في خبره كذب، وليس في خبره جهل، بل هو جل وعلا أصدق القائلين، وأعلم العالمين، هذه لو ألحقت لكانت جيدة: (لأنه يلزم كون إحداهما كذبًا)، (أو صادرًا عن جهل) بعد (كذبًا).(وهو مستحيل في أخبار الله تعالى، قال الله تعالى: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا [النساء: ٨٧] وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [النساء: ١٢٢]) فنفى الله عز وجل أن يكون أحد أصدق منه حديثًا أو قولًا (ولا يمكن أن يقع التعارض بين آيتين مدلولهما حكمي؛ لأن الأخيرة منهما ناسخة للأولى)، هذا أيضًا ضابط آخر (لا يمكن أن يقع التعارض بين آيتين مدلولهما حكمي) أفهمتم؟ وهنا يقول: (لأن الأخيرة ناسخة للأولى) لماذا لم يقلِ المؤلف: فيطلب الترجيح لو وقع التعارض؟لأنه لا ترجيح في القرآن، القرآن كله ثابت بطريق واحد، كله ثابت عن طريق التواتر، ولكن تكون الأخيرة ناسخة للأولى. وهل يلزم من ذلك إثبات النسخ؟الجواب نعم، وقع النسخ في القرآن الكريم إما نسخ اللفظ أو نسخ المعنى أو نسخ الحكم أو نسخ اللفظ والحكم، قال الله تعالى: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا [البقرة: ١٠٦] مَاإعرابها؟طالب: مَانافية.الشيخ: نافية.الطالب: لا محل لها من الإعراب ونَنْسَخْفعل مجزوم.الشيخ: ويش جازمه؟الطالب: ما النافية. الشيخ: ما النافية، نعم. الطالب: مجزوم وعلامة جزمه السكون الظاهر على آخره، والفاعل..الشيخ: ألم تعلم أنك وقعت في ظلمتين؟ نعم.طالب: ما أدري. الشيخ: ما تدري؟ لماذا تكون متشوفًا للسؤال؟ نعم. طالب: مَااسم شرط جازم.الشيخ: إذن، (ما) اسم شرط، ما هي نافية، صح؟الطالب: نَنْسَخْفعل الشرط. الشيخ: فعل الشرط مجزوم بـ(ما)؟ الطالب: (...). الشيخ: الشرطية، لا بـ(ما) النافية بارك الله فيك. مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍأي آية ينسخها الله فإنه يقول: نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا، إذا أتى بخير منها فالنسخ واضح أن فيه فائدة، إذا أتى بمثلها ما الفائدة؟ الفائدة امتحان العباد؛ لأنه إذا كان النسخ بمماثل قد يقول قائل: ويش الفائدة؟ فسأبقى على الحكم الأول، ولا آخذ بالنسخ؛ إذ لا فائدة، فصار نسخ الحكم إلى مماثل فيه فائدة عظيمة وهي اختبار الإنسان، اختبار المكلف هل يستسلم ويذعن أو لا يستسلم ولا يذعن؟ (وإذا ثبت النسخ كان حكم الأولى غير قائم ولا معارض للأخيرة) أفهمتم؟ طيب، قال الله تعالى: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا [الأنفال: ٦٥] كم الواجب أن يصبر الإنسان، مع عشرة أمثاله؟ ثم قال: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْن [الأنفال: ٦٦] كم صار الواحد يقابل؟ اثنين، هل حكم الأولى باق أو لا؟ لا، نسخه، وحينئذ لا تعارض بين الآيتين؛ لأن إحداهما ناسخة للأولى. (وإذا رأيت ما يوهم التعارض من ذلك فحاول الجمع بينهما، فإن لم يتبين لك وجب عليك التوقف وتكل الأمر إلى عالمه). ما قال: وجب عليك الترجيح إذا لم يمكن الجمع. طلبة: (...). الشيخ: لأنه لا يمكن في القرآن. المهم إذا رأيت ما يوهم التعارض فاجمع بينهما، هذا الواجب عليك قبل كل شيء، فإن لم يتبين الجمع ولا التاريخ فالواجب التوقف وأن تقول: سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا [البقرة: ٣٢]. (وقد ذكر العلماء رحمهم الله أمثلة كثيرة لما يوهم التعارض، وبينوا الجمع في ذلك، ومن أجمع ما رأيت في هذا الموضوع كتاب دفع إيهام الاضطراب عن آي الكتاب للشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى). كتابه كتاب صغير دفع إيهام الاضطراب عن آي الكتاب جمع فيه كل ما أمكنه من آيات القرآن العزيز التي ظاهرها التعارض وجمع بينها.يقول: (فمن أمثلة ذلك: قوله تعالى في القرآن: هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: ٢] وقوله تعالى: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ [البقرة: ١٨٥]) فكيف نجمع يا إخوان؟ هُدًى لِلْمُتَّقِينَوهُدًى لِلنَّاسِأيهما أعم؟ الناس، الناس أعم؛ لأنه يشمل المتقي وغير المتقي، فلا بد من الجمع، الجمع إما أن نقول هدى للمتقين وهدى للناس معناهما واحد، والمراد بالناس الخصوص، أي الناس المتقين، وحينئذٍ فيه تعارض أو لا؟ لا تعارض، ما دمنا فسرنا الناس بالمتقين فالآية الأخرى: هُدًى لِلْمُتَّقِينَأو نقول -جمع آخر-: الهدى نوعان: هدى دلالة وهدى التزام، فباعتباره هدى دلالة يكون هدى للناس جميعًا، وباعتبار الهدى الالتزام يكون هدى للمتقين؛ لأنهم هم الذين يلتزمون به.اسمع إلى جمعه: (فجعل هداية القرآن في الآية الأولى خاصة للمتقين وفي الآية الثانية عامة للناس، والجمع بينهما أن الهداية في الأولى هداية التوفيق والانتفاع، والهداية الثانية هداية التبيين والإرشاد). يعني ذكرنا وجهًا واحدًا ما هو؟ أن نجعل معنى الهداية في الآيتين مختلفًا، فنقول: هُدًى لِلنَّاسِهذا هداية الدلالة والإرشاد. هُدًى لِلْمُتَّقِينَهداية التوفيق والتنفيذ والقيام بشرعه، جمعنا وجه آخر ذكرناه الآن وهو أن نجعل الجمع بين كلمة الناس والمتقين؛ فنقول: هُدًى لِلنَّاسِالذين هم المتقون، ويكون هذا من باب إطلاق العام وإرادة الخاص، فصار الآن وجه الجمع إما أن يكمن في الهدى وإما أن يكمن في الناس والمتقين، ففي الهدى نجعل: هُدًى لِلنَّاسِهداية إرشاد ودلالة، وهُدًى لِلْمُتَّقِينَإرشاد توفيق وتنفيذ، وفي الناس نجعل الناس عامًّا أريد به الخاص.ونظير هاتين الآيتين قوله تعالى في الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص: ٥٦] وقوله فيه: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى: ٥٢] كيف نجمع؟ نقول: الهداية نوعان: هداية توفيق، فهذه لا تكون للرسول صلى الله عليه وسلم ولا لغيره، وهداية الإرشاد تكون له ولغيره، ولذلك قال: (فالأولى هداية التوفيق والثانية هداية التبيين) الثانية ما هي؟ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(ومن أمثلة ذلك أيضا قوله تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ [آل عمران: ١٨] وقوله: وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران: ٦٢] وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ [القصص: ٨٨] وقوله: فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ [هود: ١٠١] ففي الآيتين الأوليين نفي الألوهية عما سوى الله، وفي الأخريين إثبات الألوهية لغيره) وهذا تعارض ولّا غير تعارض؟ تعارض؛ لأن الإثبات والنفي بينهما غاية التعارض.(والجمع بين ذلك أن الألوهية الخاصة بالله عز وجل هي الألوهية الحق، وأن المثبتة لغيره هي الألوهية الباطلة؛ لقول الله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِير [الحج: ٦٢]). قوله: أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّيعني أن الله سبحانه وتعالى هو الإله الحق الذي ليس في ألوهيته باطل وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُوهُوَأيش إعرابه؟ طالب: (...). الشيخ: إعراب هُوَ؟ الطالب: بدل .الشيخ: لا يا شيخ.الطالب: بأن الله.. الشيخ: غلط.الطالب: خبر يا شيخ. الشيخ: غلط.طالب: (...) خبر إن.الشيخ: خبر إن! هل تم الكلام؟ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَما تم الكلام. طالب: ضمير فصل. الشيخ: ضمير فصل لا محل له من الإعراب، والشاهد على أن ضمير الفصل لا محل له من الإعراب قوله تعالى: لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ [الشعراء: ٤٠]؟الطلبة: الْغَالِبِين. الشيخ: الْغَالِبِينولا الغالبون؟ الْغَالِبِين، ولو كان له محل من الإعراب لكانت الآية (إن كانوا هم الغالبون) إذن ضمير الفصل لا محل له من الإعراب، وفائدته، فائدة ضمير الفصل؟ طالب: التخصيص. الشيخ: التخصيص، يعني أنت قاربت ولما.طالب: الحصر. الشيخ: الحصر؟ طالب: التوكيد. الشيخ: التوكيد. طالب: الفصل بين الصفة والخبر.الشيخ: الفرق بين الصفة والخبر، ولهذا سميناه ضمير فصل، الفوائد إذن كم؟ الطالب: ثلاثة يا شيخ. الشيخ: اترك (شيخ).الطالب: ثلاثة يا شيخ. الشيخ: ثلاثة، بس، ثلاثة يا شيخ؟! إنني خاطبت رجلًا من البلاد المجاورة -ولا أحب أن أسمي البلاد- يكثر فيها الحلف بالنبي فقال: والنبي أفتني. قلت: اصبر، أفتيك قبل، قولك: والنبي هذا شرك ما يجوز، لكن إن شاء الله لن تعود إليه، قال: والنبي لا أعود إليه! سبحان الله! تحلف بما أنهاك عنه؟! فهو أنت الآن.طيب فائدة ضمير الفصل؟ الطالب: ثلاثة.الشيخ: ثلاثة.الطالب: التوكيد.الشيخ: التوكيد.الطالب: والحصر.الشيخ: والحصر.الطالب: تمييز الصفة. الشيخ: من الخبر، طيب صحيح.

طلبة: (...).
الشيخ: عمر الرسول خمسون سنة.
طلبة: (...).
الشيخ: لا هو قبل الهجرة بثلاث سنين، كم عمر الرسول؟
طالب: خمسون.
الشيخ: خمسون سنة، طيب (لازم النبي صلى الله عليه وسلم لأنه ابن عمه وخالته ميمونة تحت النبي صلى الله عليه وسلم، وضمه النبي صلى الله عليه وسلم إلى صدره وقال: «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ»، وفي رواية «الْكِتَابَ» ، وقال له حين وضع له وَضوءه: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» ) -شوف «عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ»، «فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» نعم- (فكان بهذا الدعاء المبارك حَبر الأمة) أو (حِبر الأمة).
طالب: بالفتح.
طالب آخر: كلاهما.
الشيخ: يقال: إنها مثلثة الحاء: (حُبر) (حِبر) (حَبر)، والأكثر فتح الحاء (فكان رضي الله عنه بهذا الدعاء المبارك حبر الأمة في نشر التفسير والفقه، حيث وفقه الله تعالى للحرص على العلم والجد في طلبه والصبر على تلقيه وبذله، فنال بذلك مكانًا عاليًا حتى كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يدعوه إلى مجالسه ويأخذ بقوله، فقال المهاجرون: ألا تدعو أبناءنا كما تدعو ابن عباس؟ فقال لهم: ذلكم فتى الكهول ).
الكهول: الذين بلغوا من الكبر شوطًا بعيدًا، فهو فتاهم، يعني أنه وإن كان صغيرًا فهو بمنزلة الكهول ذاكم (فتى الكهول، له لسان سؤول) أي: كثير السؤال، لكن فيما ينفع، لا فيما يعنت الناس ويعجزهم، وله أيضًا قلب نعم (وقلب عقول) أي: يعقل ويفهم (ثم دعاهم ذات يوم فأدخله معهم ليريهم منه ما رآه منه، فقال عمر: ما تقولون في قول الله تعالى: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر: ١] حتى ختم السورة، فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا فتح علينا. وسكت بعضهم، فقال عمر لابن عباس: أكذلك تقول؟ قال: لا. قال: فما تقول؟ قال: هو أجَل رسول الله صلى الله عليه وسلم، أعلمه الله له إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُفتح مكة، فذلك علامة أجلك فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا [النصر: ٣]. قال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم .
وقال ابن مسعود رضي الله عنه: لنعم ترجمان القرآن ابن عباس، لو أدرك أسناننا ما عاشره منا أحد
)
الله أكبر! هذا شهادة ابن مسعود، وقد مات قبل أن يبلغ ابن عباس من العلم والفقه ما بلغ، يقول: (ما عاشره منا أحد. أي: ما كان نظيرًا له، هذا مع أن ابن عباس عاش بعده ستًّا وثلاثين سنة، فما ظنك بما اكتسب بعده من العلم) ما ظنكم؟ أجيبوا. اكتسب شيئًا كثيرًا رضي الله عنه.
(وقال ابن عمر لسائل سأله عن آية: انطلق إلى ابن عباس فاسأله؛ فإنه أعلم من بقي بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم .
وقال عطاء: ما رأيت قط أكرم من مجلس ابن عباس فقهًا وأعظم خشية، إن أصحاب الفقه عنده، وأصحاب القرآن عنده، وأصحاب الشعر عنده، يصدرهم كلهم من واد واسع)
هذه لا شك أنها من آيات الله ومن كرامات الله عز وجل التي يختص بها من يشاء (وقال أبو وائل: خطبنا ابن عباس وهو على الموسم -أي وال على موسم الحج من عثمان رضي الله عنه- فافتتح سورة النور، فجعل يقرأ ويفسر رضي الله عنه، فجعلت أقول: ما رأيت ولا سمعت كلام رجل مثله، ولو سمعته فارس والروم والترك لأسلمت ) من قوة تأثيره (ولاه عثمان على موسم الحج سنة خمس وثلاثين، وولاه علي على البصرة، فلما قتل مضى إلى الحجاز فأقام في مكة، فلما قتل) مين اللي قتل؟
طلبة: علي.
الشيخ: ولا ابن عباس قتل.
طلبة: علي.
الشيخ: ما يكون ابن عباس؟ لماذا؟
طالب: لأن الضمير عائد عليه.
الشيخ: يقول: (ولاه عليٌّ على البصرة، فلما قتل مضى إلى الحجاز) لما قتل ابن عباس؟
طالب: لا، علي.
الشيخ: ليش ما يكون ابن عباس؟
الطالب: لأن الضمير يعود على علي.
الشيخ: الضمير يعود على علي، وواحد يقولك: يعود على ابن عباس؟
الطالب: لأن السياق يقتضي هذا.
الشيخ: وين السياق؟
الطالب: لما قتل يا شيخ.
الشيخ: إي لما قتل، الضمير يعود على علي لأن عليًّا أقرب مذكور.
الطالب: (...) ضمير مستتر؟
الشيخ: قُتل نائب فاعل، الضمير نائب الفاعل يعود إلى ابن عباس؛ لأنه أقرب مذكور، صح؟
طالب: (قتل) علي رضي الله عنه؛ لأن السياق (مضى إلى الحجاز) هذه (...) لابن عباس.
الشيخ: يعني ولَّا يمكن أن يمضي ابن عباس بعد قتله إلى الحجاز؟ أليس كذلك؟ إذن يتعين أن يكون نائب الفاعل علي بن أبي طالب (فأقام في مكة ثم خرج منها إلى الطائف فمات فيها سنة ثمانية وستين عن إحدى وسبعين سنة) رضي الله عنه.
هذا العلم الغزير، وهذه الروايات عن الرسول عليه الصلاة والسلام من هذا الرجل الذي وفقه الله عز وجل، مات في الطائف وقبره يقال: إنه في المكان الذي يسمى مسجد ابن عباس، مشهور، مسجد كبير في وسط الطائف، فالله أعلم.

***

المشتهرون بالتفسير من التابعين
00:07:45

(المشهورون بالتفسير من التابعين
اشتهر بالتفسير من التابعين كثيرون، منهم:
أولًا: أهل مكة، وهم أتباع ابن عباس رضي الله عنه؛ كمجاهد وعكرمة وعطاء بن أبي رباح)
واشتهر الثالث من هؤلاء في فقه الحج، حتى كان مرجع الناس في ذلك رضي الله عنه، رحمه الله.
(ثانيًا: أهل المدينة، وهم أتباع أبي بن كعب؛ كزيد بن أسلم، وأبي العالية، ومحمد بن كعب القُرظي.
ثالثا: أهل الكوفة، وهم أتباع ابن مسعود ؛ كقتادة وعلقمة والشعبي.
فلنترجم لحياة اثنين من هؤلاء: مجاهد وقتادة.
مجاهد
00:08:34

أولًا: مجاهد
هو مجاهد بن جبر المكي، مولى السائب بن أبي السائب المخزومي، ولد سنة إحدى وعشرين من الهجرة، وأخذ تفسير القرآن عن ابن عباس رضي الله عنهما، روى ابن إسحاق عنه أنه قال: عرضت المصحف على ابن عباس رضي الله عنه ثلاث عرضات، من فاتحته إلى خاتمته، أوقفه عند كل آية وأسأله عنها .
وكان سفيان الثوري رحمه الله يقول: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به . واعتمد تفسيره الشافعي والبخاري، وكان كثيرًا ما ينقل عنه في صحيحه)
من؟
الطلبة: البخاري.
الشيخ: البخاري (وقال الذهبي في آخر ترجمته: أجمعت الأمة على إمامة مجاهد والاحتجاج به. توفي في مكة وهو ساجد سنة أربع ومئة عن ثلاث وثمانين سنة) اللهم ارض عنه، نعم الرجال.
قتادة
00:09:45

(الثاني: قتادة:
هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري، ولد أكمه، أي أعمى)
سبحان الله أعمى مع هذا العلم الكثير عنده (سنة إحدى وستين، وجد في طلب العلم، وكان له حافظة قوية، حتى قال عن نفسه: ما قلت لمحدث قط: أعد لي) الله أكبر! ونحن الآن في هذا نقول: أعد أو لا؟
طلبة: ثلاثة.
طلبة آخرون: نسجل.
الشيخ: نسجل نعم، نقول: أعد وأعد وأعد، لكن يقول: (ما قلت لمحدث قط: أعد لي، وما سمعت أذناي شيئًا قط إلا وعاه قلبي) لا إله إلا الله! ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء (وذكره الإمام أحمد رحمه الله فأطنب في ذكره، فجعل ينشر من علمه وفقهه ومعرفته بالاختلاف والتفسير ووصفه بالحفظ والفقه وقال: قلما تجد من يتقدمه، أمَّا المِثل فلعل)، من القائل؟ أحمد بن حنبل، يقول: لا، (قلما تجد من يتقدمه، أما المثل) أن يكون مثله (فلعل، وقال: هو أحفظ أهل البصرة، لم يسمع شيئًا إلا حفظه، توفي في واسط سنة سبع عشرة ومئة عن ست وخمسين سنة) صغير رحمه الله، هؤلاء من أئمة التفسير من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم وألحقنا بآثارهم، إنه على كل شيء قدير.

***

القرآن محكم ومتشابه
00:11:48

الطالب:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله محمد، وعلى آله وصحبه ومن والاه، قال المؤلف حفظه الله تعالى وزادنا الله وإياه علمًا وهدى وتقوى:
(القرآن محكم ومتشابه
يتنوع القرآن الكريم باعتبار الإحكام والتشابه إلى ثلاثة أنواع:
النوع الأول: الإحكام العام الذي وصف به القرآن كله، مثل قوله تعالى: كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود: ١]، وقوله: الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ [يونس: ١]، وقوله: وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ [الزخرف: ٤].
ومعنى هذا الإحكام الإتقان والجودة في ألفاظه ومعانيه، فهو في غاية الفصاحة والبلاغة، أخباره كلها صدق نافعة، ليس فيها كذب ولا تناقض ولا لغو لا خير فيه، وأحكامه كلها عدل وحكمة، ليس فيها جور ولا تعارض ولا حكم سفيه.

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، قال المؤلف رحمه الله وهداه: (القرآن محكم ومتشابه)، هذا العنوان.
(يتنوع القرآن الكريم باعتبار الإحكام والتشابه إلى ثلاثة أنواع: النوع الأول: إحكام عام) بمعنى أنه وصف به كل القرآن (مثل قوله تعالى: كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود: ١]) أُحْكِمَتْقيل: المعنى: أتقنت، وقيل: المعنى: أجملت، بدليل قوله: ثُمَّ فُصِّلَتْ، والتفصيل جعله الله تعالى مقابلًا للإحكام، ولكن مع ذلك حتى على هذا الرأي لا يمنع أن يكون محكمًا متقنًا، فيكون محكمًا على سبيل الإجمال والإتقان ومفصلًا أيضًا، مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍوهو الله عز وجل حَكِيمأي ذو حكمة بالغة، خَبِيرأي ذو علم ببواطن الأمور، والعالم ببواطن الأمور عالم بظواهرها، وقوله تعالى: تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ [يونس: ١] أي المحكم، وهذا واضح أنه عام لكل القرآن.
وهنا بحث في الرهذه حروف هجائية هل لها معنى في ذاتها؟ لا؛ لأن القرآن بلسان عربي، والعرب لا يرون للحروف الهجائية معنى بذاتها، لكن لها مغزى، وهو أن هذا القرآن الذي أعجز العرب لم يأت بجديد عليهم، بل أتى بما يركبون منه كلامهم، وهي الحروف، ومع هذا عجزوا أن يأتوا بمثله، حتى إن مسيلمة الكذاب وغيره ممن ادعوا النبوة أرادوا أن يأتوا بمثله فأتوا بضحكة مجانية، كل من قرأ، ما قالوا: من الذي زعمه قرآنًا فإنه يضحك منه.
وقال عز وجل: وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَاأي عندنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ [الزخرف: ٤] الله أكبر! (علي) يعني: ذو علو وارتفاع، وكل من أخذ بهذا القرآن فسيكون له العلو، حَكِيمٌأي ذو حكم، فهو جامع بين العلو وبين الحكم والسلطان، نعم الشاهد قوله: حَكِيمٌأي: محكم، وحكيم بمعنى حاكم أي عالٍ على غيره، ومعنى هذا الإحكام: الإتقان والجودة في ألفاظه ومعانيه بدون استثناء؟ نعم، بدون استثناء.
(فهو في غاية الفصاحة والبلاغة، أخباره كلها صدق نافعة، ليس فيها كذب ولا تناقض، ولا لغو لا خير فيه) وهذا يشمل كل آيات القرآن (وأحكامه كلها عدل وحكمة، ليس فيها جور ولا تعارض ولا حكم سفيه)، ولهذا قال الله عز وجل: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ [الأنعام: ١١٥] أيش؟ صِدْقًا وَعَدْلًاأي صدقًا في الأخبار، وعدلًا في الأحكام، هذا لا إشكال فيه كون نقول: القرآن كله محكم متقن في غاية ما يكون من الجودة والفصاحة، هذا لا إشكال فيه.
(النوع الثاني: التشابه العام الذي وصف به القرآن كله، مثل قوله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا [الزمر: ٢٣]) وهو القرآن؛ لأن القرآن أحسن الحديث في صدقه وفصاحته وعدله وغير ذلك، نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِكِتَابًا مُتَشَابِهًاهذا بدل من أَحْسَنَ. مَثَانِيَأي تثنى فيه المعاني والأحكام، فمثلا تجد الله عز وجل في كتابه العزيز إذا ذكر ثواب المؤمنين ذكر عقاب المجرمين، واقرأ المطففين: كتاب الفجار، كتاب الأبرار، ثواب هؤلاء وثواب هؤلاء، أيضا مَثَانِيَبالنسبة لصفات الخلق هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [التغابن: ٢] وقس على هذا. إذن مَثَانِيَأي تثنى فيه المعاني والأحكام والأوصاف. تَقْشَعِرُّنعم، أيش؟
طالب: معاني.
الشيخ: لا، مثاني مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ [الزمر: ٢٣] تَقْشَعِرُّخوفًا وتعظيما ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِومعنى هذا التشابه أن القرآن كله يشبه بعضه بعضًا في الكمال والجودة والغايات الحميدة، وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢].
وهذان القسمان -أعني الإحكام العام والإحكام الخاص- لا إشكال فيهما ولا منازعة فيهما، قد اتفق الناس عليهما.
النوع الثالث: وهذا هو المعترك (النوع الثالث: الإحكام الخاص في بعضه والتشابه الخاص في بعضه) يعني أن بعضه متشابه وبعضه محكم، مثل قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ [آل عمران: ٧] (من) هنا معناها التبعيض، وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌتختلف غير واضحة فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ.
قوله: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌونحن نعرف أن (أما) حرف تفصيل، فأين المفصل الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌهذا واحد وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِهذا الثاني، ولهذا قدره بعض الناس فقال: وأما الراسخون في العلم.
إذن انقسم الناس في هذا إلى قسمين: قسم في قلوبهم زيغ، أي ميل عن الهدى والحق فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُيتطلبون الآيات المتشابهة ويلقونها ليشبهوا على الناس ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِأي ابتغاء صد الناس عن الحق.
والفتنة تأتي لمعانٍ، منها: الصد عن سبيل الله، قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [البروج: ١٠]. أيضًا: ابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِأي: طلب تأويله، أي: تفسيره على ما يريدون، لا على ما يريد الله عز وجل.
وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِفي هذه الجملة اختلف السلف والخلف هل يوقف على إِلَّا اللَّهُأو يوصل ويقال: إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ، فيها قراءتان، وأكثر السلف على قراءة الفصل، يعني الوقف وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهفتقف، ويكون وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِمبتدأ، وجملة يَقُولُونَخبر، وبعض السلف يصل ويقول: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِأيضًا يعلمون، وتكون جملة يَقُولُونَحالًا من الراسخين في العلم، أي في موضع نصب، كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَاوإذا كان كل من عند الله فلن يكون فيه اختلاف ولا تناقض، ويُحمَل المتشابه على المحكم، فيصير الجميع محكمًا، قال الله تعالى: وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِصدق الله، لا يتذكر بالقرآن ومواعظه إلا أصحاب العقول؛ لقول الله تعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ [ص: ٢٩] أكمل.
طلبة: وَلِيَتَذَكَّرَ.
الشيخ: وَلِيَتَذَكَّرَمن؟
طلبة: أُولُو الْأَلْبَابِ.
الشيخ: أُولُو الْأَلْبَابِ.
(ومعنى هذا الإحكام أن يكون معنى الآية واضحًا جليًّا لا خفاء فيه)، إذن الإحكام هنا غير الإحكام السابق، الإحكام هنا يعني الوضوح والبيان الذي لا إشكال فيه، مثل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا [الحجرات: ١٣] وقوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: ٢١]، وقوله تعالى: أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ [البقرة: ٢٧٥]، وقوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِه [المائدة: ٣] والأمثلة كثيرة، هذا نسميه أيش؟ محكمًا؛ لأنه واضح المعنى كل يعرف أن الله خلقه، كل يعرف معنى الذكر والأنثى وهلم جرًّا، ما يشكل على أحد، هذا نسميه الإحكام الخاص، يعني الذي يختص ببعض القرآن.
(ومعنى هذا التشابه) ويش التشابه؟ الخاص ولّا العام؟ الخاص.
(ومعنى هذا التشابه: أن يكون معنى الآية مشتبهًا خفيًّا، بحيث يتوهم منه الواهم ما لا يليق بالله تعالى، أو كتابه أو رسوله، ويفهم منه العالم الراسخ في العلم خلاف ذلك) شوف، هذا هو المشكل، يكون المعنى خفيًّا، يفهم منه الذي في قلبه زيغ معنى، ويفهم الراسخ في العلم معنًى آخر.
فإن قال قائل: ما الحكمة من وجود هذا في القرآن الكريم؟ نعم، قيل: الحكمة من هذا: الامتحان واختبار العباد، هل يردون المتشابه إلى المحكم أو بالعكس؟
ولهذا يحصل النزاع بين العلماء في معنى هذه الآيات المتشابهة، فهذه هي الحكمة من كون بعضه متشابهًا وبعضه محكمًا (مثاله فيما يتعلق بالله تعالى أن يتوهم واهم من قوله تعالى) أيش؟
طلبة: بَلْ يَدَاهُ.
الشيخ: (من قوله تعالى: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: ٦٤] أن لله يدين مماثلتين لأيدي المخلوقين). هذا متشابه، من قال: إنه متشابه؟ قال: إن بعض الناس توهم أن لله يدين مماثلتين لأيدي المخلوقين، من هؤلاء؟
طالب: المشبهة.
طالب آخر: الممثلة.
الشيخ: الممثلة، بعض الناس بالعكس، قال: ليس لله يدان حقيقيتان، ولكن المراد باليدين النعمة، أي لله نعمتان مبسوطتان، كيف نعمتان، إن الله يقول: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [إبراهيم: ٣٤]؟ قالوا: نعمتان باعتبار الجنس، أي نعمة دين ونعمة دنيا، وإن كانت لا تعد أفرادها، فيقال: هذا من المتشابه، ولهذا انقسم الناس فيه إلى ثلاثة أقسام: قسم مثَّل، وقسم عطّل، وقسم أثبت مع نفي التمثيل، أيهم أسعد بالدليل؟
طلبة: الثالث.
الشيخ: الثالث أسعد بالدليل؛ لأن الذي أخبرنا أن له يدين هو الله عز وجل، وهو أعلم بنفسه وبغيره، وهو أعلمنا، أنه لا مثل له، ولذلك ضل من ضل من الخلق بهذا.
(مثاله أيضًا فيما يتعلق بكتاب الله أن يتوهم واهم تناقض القرآن وتكذيب بعضه بعضًا حين يقول: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء: ٧٩]) إذن قسم الله عز وجل المصائب إلى: حسنة وسيئة، الحسنة من الله، والسيئة من الإنسان، ويقول في موضع آخر: وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [النساء: ٧٨] كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِما هذا؟ الحسنة والسيئة، فيقول القائل: هذا تناقض ويلبس.
ولهذا أمثلة أخرى؛ ذكر الله أن يوم القيامة تسود وجوه وتبيض وجوه، وذكر أن المجرمين يحشرون يومئذٍ زرقًا، كيف أسود وأزرق؟ تناقض، كيف نجمع؟
نقول: أما الآية الأولى مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء: ٧٩] فالمراد بقوله: وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَيعني أنك أنت السبب، ويدل لهذا قوله تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِير [الشورى: ٣٠]، وأما الحسنة فهي فضل من الله عز وجل، تفضل بها عليك، وليس لك حق على ربك أن يتفضل عليك، بل هو يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، الآن هل حصل تناقض أو لا؟ لا، فـمَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِباعتبار إيجادها والتفضل بها، وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَباعتبار السبب، يعني أنك أنت السبب.
طيب في المثال اللي ذكرنا زرقًا وتسود وجوه يقال: كم يوم القيامة من الوقت كم؟ خمسون ألف سنة تتغير الأمور في هذه الخمسين تتغير من زرقة إلى سواد، أو من سواد إلى زرقة، وبعضهم قال: الجمع أن الأزرق الشديد الزرقة يميل إلى السواد. فالله أعلم، على كل حال القرآن لا يمكن يتناقض إطلاقًا.
(ومثاله فيما يتعلق برسول الله صلى الله عليه وسلم: أن يتوهم واهم من قوله تعالى فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [يونس: ٩٤] أن النبي صلى الله عليه وسلم كان شاكًّا فيما أنزل إليه)، وهذه وصمة عظيمة إِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشك، ولا يمكن أن يشك، وقد شهد الله له بالإيمان في قوله: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِإلى آخره [البقرة: ٢٨٥]. ما موقف الزائغين من هذه الآيات؟ أنهم يتبعون؟
طلبة: المتشابه.
الشيخ: المتشابه، فيقولون في المثال الأول: إن الله سبحانه وتعالى له يدان مماثلتان لأيدي المخلوقين، وفي المثال الثاني يقولون: إن القرآن متناقض، وفي المثال الثالث يقولون: إن محمدًا شاك، فيطعنون في الله وفي القرآن.
طالب: وفي الرسول.
الشيخ: وفي الرسول. ما موقف الراسخين في العلم والزائغين من المتشابه؟ يقول: (إن
موقف الراسخين في العلم والزائغين من المتشابه
00:32:22

موقف الراسخين في العلم من المتشابه وموقف الزائغين منه بينه الله تعالى فقال في الزائغين: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ [آل عمران: ٧])
ابْتِغَاءَبمعنى طلب، والفتنة: الصد عن الحق، والتأويل: التفسير على ما يريدون (وقال في الراسخين في العلم: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا [آل عمران: ٧] فالزائغون يتخذون من هذه الآيات المتشابهات وسيلة للطعن في كتاب الله وفتنة الناس عنه وتأويله لغير ما أراد الله، فيضلون ويضلون.
وأما الراسخون في العلم فيؤمنون بأن ما جاء في كتاب الله تعالى فهو حق، وليس فيه اختلاف ولا تناقض؛ لأنه من عند الله وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢]، وما جاء مشتبهًا ردوه إلى المحكم ليكون الجميع محكمًا. ويقولون في المثال الأول)
ما هو؟
طلبة: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: ٦٤].
الشيخ: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ(إن لله يدين حقيقيتين على ما يليق بجلاله وعظمته، لا تماثلان أيدي المخلوقين، كما أن له ذاتًا لا تماثل ذوات المخلوقين؛ لأن الله تعالى يقول: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير [الشورى: ١١]). وانتهى الإشكال.
(ويقولون في المثال الثاني: إن الحسنة والسيئة كلتاهما بتقدير الله عز وجل، لكن الحسنة سببها التفضل من الله على عباده، أما السيئة فسببها فعل العبد؛ كما قال عز وجل: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِير [الشورى: ٣٠]، فإضافة السيئة إلى العبد من إضافة الشيء إلى سببه، لا من إضافته إلى مقدره، أما إضافة الحسنة والسيئة إلى الله فمن باب إضافة الشيء إلى مقدره، وبهذا يزول ما يوهم الاختلاف بين الآيتين؛ لانفكاك الجهة) واضح يا إخوان؟
طلبة: واضح.
الشيخ: يحتاج إلى شرح ولّا ما يحتاج؟
طلبة: ما يحتاج شرحًا.
الشيخ: طيب (ويقولون في المثال الثالث: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقع منه شك فيما أنزل إليه، بل هو أعلم الناس به، وأقواهم يقينًا؛ كما قال الله تعالى في نفس السورة: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّه [يونس: ١٠٤] الآية، المعنى: إن كنتم في شك منه فأنا على يقين منه، ولهذا لا أعبد الذين تعبدون من دون الله، بل أكفر بهم وأعبد الله). واضح؟ طيب.
وكذلك ما ذكرنا قبل أن الله شهد له بالإيمان في قوله: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ [البقرة: ٢٨٥].
(ولا يلزم من قوله: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ [يونس: ٩٤] أن يكون الشك جائزًا على الرسول صلى الله عليه وسلم أو واقعًا منه) لا يمكن، لا يلزم؛ لأن (إن) تدخل على المستحيل وتدخل على الممكن (ألا ترى إلى قوله تعالى: قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ [الزخرف: ٨١]) إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَهل يلزم من هذه الجملة الشرطية أن يجوز أن يكون لله ولد؟ لا.
ولهذا قال: (هل يلزم منه أن يكون الولد جائزًا على الله أو حاصلًا؟ كلا، فهذا لم يكن حاصلًا ولا جائزًا على الله، قال الله تعالى: وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم: ٩٢، ٩٣]، ولا يلزم من قوله: فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [البقرة: ١٤٧] أن يكون الامتراء واقعًا من الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن النهي عن الشيء قد يوجه إلى من لم يقع منه، ألا ترى قوله تعالى: وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [القصص: ٨٧]، ومن المعلوم أنهم لم يصدوا النبي صلى الله عليه وسلم عن آيات الله، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقع منه شرك، والغرضُ من توجيه النهي إلى من لا يقع منه: التنديدُ بمن وقع منهم والتحذير من منهاجهم. وبهذا يزول الاشتباه).
إذن لَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَليس معناها أنه مشرك، بل فيه: توجيه النهي إلى من لا يقع منه، التنديد بمن وقع منه والتحذير منه.
بقي علي أن أقول: ذكرنا أن في الآية الكريمة -آية آل عمران- قولان في الوقف على إِلَّا اللَّهُ [آل عمران: ٧] أو الوصل وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم [آل عمران: ٧] وليس بين القراءتين اختلاف، فالذين وقفوا على إِلَّا اللَّهُقالوا: إن التأويل هو علم حقائق هذه المشتبهات ومآلها في المستقبل، وهذا لا يعلمه إلا الله، والذين وصلوا قالوا: المراد بالتأويل التفسير، وإذا كانت المراد بالتأويل التفسير هل يعلمه الراسخون في العلم؟ نعم. ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما: أنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويله .
في الآية إشكال في قوله: إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَويش معنى الآية؟ قال بعضهم: إن إِنْبمعنى (ما)، أي: ما كان للرحمن ولد، ولكن هذا خلاف ظاهرها، ينافي ظاهرها منافاة تامة؛ لأن الآية صريحة أن (إن) شرطية، ومعناها: إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين لهذا الولد، فيكون بهذا تنديد لمن؟ للنصارى الذين يعبدون عيسى، فيقول: إن كان للرحمن ولد فأنا أسبقهم إلى عبادته، لكن لم يكن له ولد، فلا حق لعيسى في العبادة.

***

أنواع التشابه في القرآن
00:40:09

(أنواع التشابه في القرآن
التشابه الواقع في القرآن نوعان:
أحدهما: حقيقي، وهو: ما لا يمكن أن يعلمه البشر) والثاني إضافي كما سيأتي (كحقائق صفات الله عز وجل، فإننا وإن كنا نعلم معاني هذه الصفات، لكننا لا ندرك حقائقها وكيفيتها؛ لقوله تعالى: وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [طه: ١١٠] وقوله تعالى: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير [الأنعام: ١٠٣]).

حقائق الصفات لا يمكن إدراكها، وهذا تشابه حقيقي، كل إنسان لا يمكن أن يدرك حقيقة صفات الله، وإن ادعى أنه يدرك فهو كاذب، ولهذا قال الله عز وجل: وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [البقرة: ٢٥٥]، وقال عز وجل: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُوإن رأته؛ لأنه أعظم من أن تحيط به الأبصار.
(ولهذا لما سئل الإمام مالك رحمه الله عن قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥] كيف استوى؟ قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة).
هذا رجل أتى إلى الإمام مالك وهو في الطلبة في المسجد النبوي وقال له: يا أبا عبد الله الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىكيف استوى، أيش لون يعني؟ فأطرق مالك برأسه وجعل يتصبب عرقًا لأيش؟ لشدة هذا السؤال وفظاعته، ثم رفع رأسه وقال: يا هذا الاستواء غير مجهول -يعني أنه معلوم، استوى على كذا أي علا عليه- والكيف غير معقول -يعني لا يمكن أن ندرك كيفية صفاته بعقولنا- والإيمان به -أي بالاستواء- واجب، والسؤال عنه -أي عن كيفيته- بدعة، وما أراك إلا مبتدعًا. ثم أمر به فأخرج من المسجد ، أخرج من مسجد الرسول ليتقي الناس شره.
فتأمل صرامة مالك رحمه الله في مثل هذا الأمر الفظيع. وهكذا ينبغي لنا أن نكون صارمين في كل من سأل مثل هذا السؤال، لو قال: كيف أصابع الله أيش نقول؟ نقول: الأصابع معلومة، والكيف مجهول، والإيمان بها واجب، والسؤال عنها بدعة.

***

هذا السؤال يقول: هل باب الأسماء وصفات الله من باب المتشابه؟
وهذا يقول: وقد قرأت لبعض أهل العلم أنه يقول: إنه لا ينبغي إطلاق المتشابه على باب الأسماء والصفات، بل هو من المحكم.

أولا: لا يجوز إطلاق أن آيات الصفات من المتشابه، نعم، لكن إذا أطلق عليها المتشابه فإننا نقول: إن أراد بالتشابه خفاء المعنى فهذا غلط؛ لأن معناها واضح ظاهر، وإن أراد خفاء الحقائق فهذا صحيح، هذا من المتشابه؛ لأن لا يمكن أن نصل إلى معرفة حقائقها.
طالب: هناك حديثان ما ظهر لي التوفيق بينهما، هو حديث: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ مِئَةَ مَرَّةٍ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا رَجُلٌ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ أَوْ زَادَ عَلَيْهِ» . في حديث آخر: «مَنْ قَالَهُ فِي يَوْمٍ مِئَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ عَنْهُ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» ، وفي لفظ: «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ» في الأول، فما وجه هذه الروايات الثلاث، التوفيق بينها؟
الشيخ: ويش الإشكال؟
الطالب: الإشكال يا شيخ هل هذه كلها يعني فعل لجزاء واحد، أو يقال: هذا ذكر منفصل عن هذا، لا سيما مع رواية..
الشيخ: الذكر الأول ماذا يقول؟
الطالب: «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ مِئَةَ مَرَّةٍ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ أَوْ زَادَ عَلَيْهِ» وفي لفظ «الْعَظِيمِ» بزيادة «الْعَظِيمِ».
الشيخ: ما فيها إشكال، يعني لم يأت أحد بأفضل منه، وجزاؤه أيضًا أن تُغفر له خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر، أما الزيادات -زيادة البعض على البعض- فإن كانت من ثقة فهي مقبولة، وإن كان من غير ثقة تكون شاذة.
الطالب: يعني هذه الزيادة ما يدخل الإنسان في الذكر الأول إلا إذا زاد مئة، إلا إذا قال بها..
الشيخ: لا، إذا زاد فهو أنه أفضل ممن لم يزد.
الطالب: ذكرنا أن هذه الفروق (...).
الشيخ: في الغالب إي نعم.
الطالب: في سورة مريم (...).
الشيخ: كيف؟ ما ذكر، شيئًا؟
طالب: (...).
الشيخ: نعم، إذا قلنا: في الغالب وجاءت سورة لم يذكر فيها تنتقد القاعدة؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، ذكرنا القاعدة من قبلها، كل ما نقول هذا نقول: في الغالب.
طلبة: نعم.
الشيخ: هذه واحدة، الشيء الثاني الإخبار عن شيء لا يعلمه الناس، هذا من خصائص القرآن مثلًا: الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ [الروم: ١، ٢] ما فيها ذكر القرآن، لكن فيها خبر عن شيء مستقبل لا يكون إلا بالوحي، وأيضًا إذا قلنا: في الغالب انتهى الموضوع، ما فيه إشكال.

***

طالب: للراسخين في العلم دون غيرهم، وهذا النوع يُسأل عن استكشافه وبيانه لإمكان الوصول إليه؛ إذ لا يوجد في القرآن شيء لا يتبين معناه لأحد من الناس، قال الله تعالى: هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: ١٣٨] وقال: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل: ٨٩] وقال: فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ [القيامة: ١٨، ١٩] وقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا [النساء: ١٧٤].
الشيخ: طيب، بسم الله الرحمن الرحيم، سبق لنا أن الإحكام والتشابه ثلاثة أنواع:
الأول: الإحكام العام الذي يوصف به جميع القرآن، والثاني: التشابه العام الذي يوصف به جميع القرآن، والثالث: الإحكام الخاص الذي يوصف به بعض القرآن، والتشابه الخاص الذي يوصف به بعض القرآن أليس كذلك؟ هذا التشابه ينقسم إلى قسمين أو إلى نوعين: تشابه حقيقي، يعني يشتبه على كل الناس لا يعلمونه؛ كحقائق صفات الله عز وجل، فهذا من التشابه الذي لا يمكن العلم به، أحوال اليوم الآخر لا يمكن تحقيقها أبدًا، الآن نحن نؤمن بأن هذه الجبال العظيمة الشامخة ستكون كثيبًا مهيلًا، ستكون كالعهن المنفوش، أنت لا تتصور الآن كيف تكون بالضبط، نؤمن بأن في الجنة فاكهة ونخلًا ورمانًا ولحم طير وعسلًا ولبنًا وخمرًا وماءً، هل نحن نعرف حقيقة ذلك؟
الجواب: لا؛ لأن الله تعالى يقول في القرآن: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة: ١٧] ويقول في الحديث القدسي: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» أفهمتم الآن؟ هذا نقول: إنه متشابه أيش؟ تشابهًا حقيقيًّا، تشابه مطلق لا يمكن لأحد أن يعلم به.
الثاني: نسبي، وهذا هو الذي يكون عند كثير من الناس، (الثاني: نسبي، وهو ما يكون مشتبهًا على بعض الناس دون بعض، فيكون معلومًا للراسخين في العلم دون غيرهم) هذا يقول: إنه (يُسأل عن استكشافه)، والأول الحقيقي؟ لا يسأل؛ لأن الأول السؤال عنه لغو، وإذا كان سؤال دين فهو بدعة، هذا النوع المشتبه على بعض الناس دون بعض يسأل عنه ويستكشف حتى يتبين للإنسان معناه، وله أمثلة، يقول المؤلف:
(وهذا النوع يسأل عن استكشافه وبيانه لإمكان الوصول إليه؛ إذ لا يوجد في القرآن شيء لا يتبين معناه لأحد من الناس) أبدًا، القرآن لا يمكن أن يوجد فيه شيء لا يعرفه أحد، أبدًا هذا غير ممكن، الدليل قوله تعالى: هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِوهذا عام وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: ١٣٨]، وقال تعالى: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَأيش؟ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل: ٨٩]، أي لأجل بيان كل شيء، فكل شيء يحتاج الناس إلى بيانه فإنه موجود في القرآن؛ إما منصوصًا عليه وإما مدلولًا عليه بالإشارة.
وقرأت لبعض العلماء المعاصرين أنه كان في مطعم في إحدى الدول الغربية، وأظنها باريس، والمطعم يعم الصالح والطالح، وكان في هذا المطعم رجل من النصارى ممن قرؤوا القرآن، لكنهم لم ينتفعوا به، فأتى إلى هذا العالم ليشبه عليه وقال: إن قرآنكم تبيان لكل شيء؟ قال: نعم، هو تبيان لكل شيء، وإذا بين يديه زلطة وساندوتش وأشياء من المأكولات، فقال له هذا النصراني: كيف نصنع هذا؟ أرنيه في القرآن؟ سؤال ما له وجه في الواقع، هل القرآن نزل ليكون إرشادًا للمطابخ؟ لا، لا شك، لكنه يريد أن يمتحن هذا الرجل ويشكك من حوله، قال: ما تقول؟ قال: أقول: هل في القرآن بيان كيف نصنع هذا؟ قال: نعم في القرآن، قال: وين؟ أين هو؟ ما في القرآن شيء. قال: فيه، تعال، راح على المطبخ، تعال فجاء، قال: كيف صنعت هذا؟ أخبره؛ شذب البصل وأيش الثاني؟ زلطة و(...) والأشياء هذه، قال: هكذا جاء في القرآن. كيف؟ قال: إن الله تعالى قال في القرآن: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النحل: ٤٣] فما لم ينص عليه القرآن أرشدنا كيف نتوصل إليه. فصار القرآن الآن مبينًا أو غير مبين؟ مبينًا؛ لأن الذي يرشدك إلى الطريق، إلى الذي تصل به إلى مقصودك قد بين، فبهت الذي كفر.
فالمهم أن الله تعالى قال: نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل: ٨٩] مبين لكل شيء، لكن إما على وجه صريح أو على وجه الإيماء والإشارة، وقال الله عز وجل: فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ [القيامة: ١٨، ١٩] إذا قرأناه يخاطب من؟ فاتبع اتبع يخاطب من؟
طالب: الرسول.
الشيخ: يخاطب النبي، هل الله يقرؤه عليه؟ من يقرؤه؟
طلبة: جبريل.
الشيخ: جبريل، لكن لما كان جبريل رسولًا من رب العالمين صار قراءته كقراءة الله، أطلق الله الفعل على نفسه والمراد رسوله؛ لأن رسوله مبلغ عنه، ومن هنا نصل إلى فائدة عظيمة في قول الله تبارك وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِم [الفتح: ١٠].
لو قال قائل: كيف يبايعون الله؟ الله على العرش في السماء وهؤلاء في الأرض تحت الشجرة، كيف يبايعون الله؟
نقول: نعم، يبايعون الله لأنهم يبايعون رسوله، ومبايعة رسوله مبايعة له، وكذلك قال: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح: ١٠]، ما الذي فوق أيديهم من الأيدي؟ أيدي الرسول عليه الصلاة والسلام، يد الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لكن لما كانت يد رسول الله صارت كأنها يد الله، وحينئذ لا إشكال في الآية، خلافًا لمن لجلج وعجعج وقال: هذه الآية مشكلة، هذه تدل على أن الله في كل شيء، في كل مكان؛ لأن الله يقول: إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِم [الفتح: ١٠] فيقال: لما كانت اليد يد رسوله أطلق عليها أنها يده عز وجل؛ كما أن قراءة جبريل للقرآن لما كانت بإرسال من الله أطلق الله تعالى أنه هو الذي قرأ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُبَيَانَهُلأيش؟ لفظًا أو معنى؟
طلبة: (...).
الشيخ: لفظًا ومعنًى، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ: يَا أَيُّهَا النَّاسُعمومًا قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْأي: دليل قاطع وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا [النساء: ١٧٤].
(وأمثلة هذا النوع كثيرة، منها قوله تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء [الشورى: ١١]) ما هو النوع الذي أشرنا إليه؟ التشابه النسبي.
(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءحيث اشتبه على أهل التعطيل، ففهموا منه انتفاء الصفات عن الله تعالى، وادعوا أن ثبوتها يستلزم المماثلة، وأعرضوا عن الآيات الكثيرة الدالة على ثبوت الصفات له، وأن إثبات أصل المعنى لا يستلزم الممماثلة)، هذه الآية استدل بها المعطلة على أيش؟ على نفي الصفات عن الله، وقالوا: أي صفة تثبتها وفي المخلوق مثلها فقد مثلت، فلا تثبت العين ولا الوجه ولا اليد ولا القدم ولا الساق، لو فعلت ذلك لمثلت، فاشتبه عليهم المعنى، ولم ينظروا إلى الآيات الكثيرة التي فيها إثبات الصفات لله.
(ومنها قوله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء: ٩٣] حيث اشتبه على الوعيدية)،
.
والوعيدية هم الخوارج والمعتزلة؛ لأن كلًّا منهم -أي من الخوارج والمعتزلة- يقول: إن فاعل الكبيرة مخلد في النار، لكن الخوارج أشجع من المعتزلة، الخوارج قالوا: إنه كافر، والمعتزلة داهنوا وقالوا: أعوذ بالله، ما نقول: كافر، تقول مؤمن؟ قال: لا. ويش تقول؟ قال: أقول: في منزلة بين منزلتين. من أين جاء بمنزلة بين المنزلتين والله عز وجل جعل الخلق قسمين فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [التغابن: ٢]، ما فيه قسم ثالث، لكن هذا سببه الرجوع إلى العقل والإعراض عن النص، ولهذا يسمي بعض العلماء يسمي المعتزلة عقلاء المبتدعة، عقلاء، وهل هذا صحيح أنهم عقلاء المبتدعة؟
لا، أولًا: المبتدعة ما فيهم عقل، خالفوا العقل بقدر ما فعلوا من البدعة.
وثانيًا: أن العقل يقتضي التزام النص، لا مخالفة النص.
على كل حال هؤلاء الوعيدية وهم الخوارج والمعتزلة (ففهموا منه أن قاتل المؤمن عمدًا مخلد في النار، وطردوا ذلك في جميع أصحاب الكبائر، وأعرضوا عن الآيات الدالة على أن كل ذنب دون الشرك فهو تحت مشيئة الله)، الدليل على أن كل ذنب تحت مشيئة الله سوى الشرك قول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء: ٤٨]، ومن المناسبات الجيدة الطيبة أن هذه الآية: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا [النساء: ٩٣] وقعت بين آيتين كلتاهما تدل على أن ما سوى الشرك فإنه تحت المشيئة، في أول السورة سورة النساء: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا [النساء: ٤٨] ثم جاءت آية القتل، ثم جاءت الآية الثانية: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا [النساء: ١١٦].
إذن الآية لا تدل على أن قاتل النفس مخلد أبدًا في نار جهنم؛ لأن الآيات الأخرى والنصوص الأخرى تدل على أن ما دون الشرك فهو تحت المشيئة، لكن الواقع أن فيها إشكالًا؛ لأننا إذا قررنا هذه القاعدة، وقلنا: ما دون الشرك فإنه قابل للمغفرة، فيها إشكال وهو قوله: وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء: ٩٣].
الإشكال في قوله: خَالِدًا فِيهَالأن الأصل في الخلود هو الدوام، هذا الأصل، وإذا ذكر التأبيد فهو من باب التوكيد، فيقال: هذا من جنس النصوص التي فيها الوعيد، فالقتل سبب لهذا، لكن إذا وجد المانع انتفى مفعول السبب، وتجدون هذا ظاهرًا في أسباب الإرث وموانع الإرث، القرابة من أسباب الإرث، وإذا كان القريب كافرًا والميت مسلمًا امتنع الإرث، فالأشياء لا تتم إلا بوجود شروطها وانتفاء موانعها.
فإذا قال قائل: إذن سلبتم نص الوعيد معناه إذا كان هذا لا يتحقق لوجود المعنى إذن هنا ما الفائدة؟ قلنا: الفائدة أمران؛ الأمر الأول: التغليظ في الوعيد، أسلوب جرى به لسان العرب أو لا؟ التغليظ في الوعيد وإن لم تنزل العقوبة بالفاعل أسلوب من أساليب العرب، بل حتى في عرفنا الآن تقول الأم لولدها: والله إن فعلت هذا لأكسر رجليك، هل هي تصدق بأنه إذا فعله كسرت رجليه؟
طلبة: لا.
الشيخ: حلفت أقسمت.
طالب: تغليظ.
الشيخ: هذا التغليظ، والتغليظ في الوعيد مما جاءت به اللغة العربية، هذه واحدة.
الوجه الثاني: أنه ربما يكون قتله للمؤمن عمدًا سببًا لكفره، وإذا كفر استحق أيش؟ الخلود في النار والعياذ بالله، ولهذا جاء في الحديث: «لَا يَزَالُ الرَّجُلُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا» يعني في سعة من دينه إلا إذا أصاب دمًا حرامًا ضاق عليه الدين، وربما فر منه. فصار الجواب من وجهين: الوجه الأول؟
طالب: من باب الوعيد يا شيخ.
الشيخ: من باب الوعيد.
الطالب: (...) على لسان العرب يعني التغليظ.
الشيخ: التغليظ في الوعيد، نعم للنفور منه، طيب هذا واحد.
الطالب: ثانيًا: أن قتل المؤمن سبب للخلود في النار إذا..
الشيخ: أنه ربما يكون هذا القتل العمد سببًا.
الطالب: للخلود في النار.
الشيخ: للكفر، لا، للكفر الذي يكون به الخلود في النار.
الطالب: (...).
الشيخ: يشهد له الحديث: «لَا يَزَالُ الرَّجُلُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا» طيب.
(ومنها) يعني من الآيات المتشابهة (قوله تعالى: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير [الحج: ٧٠]) أَلَمْ تَعْلَمْهذه تؤول إلى: قد علمت؛ لأن الهمزة هنا للتقرير، الهمزة للتقرير مثلها؛ كقوله تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: ١] يعني: قد شرحنا لك صدرك، أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِكل ما في السماء والأرض فإنه معلوم عند الله عز وجل؛ من صغير وكبير وعظيم وحقير. إِنَّ ذَلِكَأي ما كان في السماء والأرض في كتاب، أو إن ذلك العلم في كتاب وهو اللوح المحفوظ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير.
(حيث اشتبه على الجبرية ففهموا منه أن العبد مجبور على عمله، وادعوا أنه ليس له إرادة ولا قدرة عليه، وأعرضوا عن الآيات الدالة على أن للعبد إرادة وقدرة، وأن فعل العبد نوعان: اختياري وغير اختياري).
الجبرية استدلوا بنصوص القضاء والقدر على الجبر، والغريب أن نفس استدلالهم دليل عليهم، نقول: أنتم الآن تخاطبوننا هل تشعرون أنكم مجبرون؟ إن كان كذلك فقولكم لا حكم له؛ لأن المكره أيش؟
لا حكم لقوله ولا لفعله، فأنتم الآن خاصمتم أنفسكم، نقول لهم الآن: أنتم الآن تحاجوننا تقول: الإنسان مجبر على عمله، لا اختيار له، حجتكم الآن أو محاجتكم الآن هل هي باختياركم أو مجبرون عليها؟ إن قالوا: باختيارنا أيش؟ خاصموا أنفسهم، إن قالوا: مجبرون، قلنا: هذا أيضًا خصم لكم؛ لأن المجبر أيش؟
لا حكم لقوله، ولهذا لو أكره الإنسان على الكفر لم يكن كافرًا، نعم لكن هناك نصوص كثيرة تدل على أن للعبد إرادة وقدرة، وليس هذا موضع بسطها؛ لأنها معروفة والحمد لله، لكنه اشتبه عليهم هذا، والراسخون في العلم أصحاب العقول يعرفون كيف يخرجون هذه الآيات المتشابهة إلى معنى يتلاءم مع الآيات الأخرى، فيبقى القرآن كله محكمًا لا اشتباه فيه، والحمد لله، نعمة، ولهذا ينبغي للإنسان أن يسأل الله تعالى دائمًا أن يهديه للحق.
وانظر إلى فعل الرسول عليه الصلاة السلام: كان يفتتح قيام الليل، وهو أول صلاة يصليها بعد النوم بقوله: «اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ» ، وهو الرسول عليه الصلاة والسلام، يسأل الله أن يهديه لما اختلف فيه من الحق، فأنت يا أخي اسأل الله دائمًا أن يهديك لما اختلف فيه من الحق، سواء في العقائد أو في العمليات؛ لأن الإنسان بشر يجهل كثيرًا وينسى كثيرًا، وقد قال الله تعالى: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: ٨٥]، لا تعتمد على ذكائك ولا على حفظك ولا على كثرة علومك، اعتمد على الله واسأل الله دائمًا أن يهديك لما اختلف الناس فيه من الحق.

***

الحكمة في تنوع القرآن إلى محكم ومتشابه
01:10:48

(الحكمة في تنوع القرآن إلى محكم ومتشابه).

يقول: (لو كان القرآن كله محكمًا لفاتت الحكمة من الاختبار به تصديقًا أو عملًا لظهور معناه) صحيح، لو كان القرآن كله محكمًا ما فيه متشابه لفاتت الحكمة من الاختبار؛ لأن المتشابه يختبر به العبد هل يأخذ به أو يرده للمحكم ولو كان نعم (أو عملًا؛ لظهور معناه وعدم المجال لتحريفه والتمسك به والتمسك بالمتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، ولو كان كله متشابهًا لفات كونه بيانًا وهدى للناس، ولما أمكن العمل به وبناء العقيدة السليمة عليه، ولكن الله تعالى بحكمته جعل منه آيات محكمات يرجع إليهن عند التشابه، وأخر متشابهات امتحانًا للعباد ليتبين صادق الإيمان ممن في قلبه زيغ، فإن صادق الإيمان يعلم أن القرآن كله من عند الله، وما كان من عند الله فهو حق، ولا يمكن أن يكون فيه باطل أو تناقض؛ كقول الله تعالى: لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت: ٤٢] ولقوله تعالى: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢]) إذن الحكمة هي الامتحان، امتحان الناس هل يؤمنون بالمحكم والمتشابه أو يهلكون عند متشابهه.
(وأما من في قلبه زيغ فيتخذ من المتشابه سبيلًا إلى تحريف المحكم واتباع الهوى في التشكيك في الأخبار والاستكبار عن الأحكام، ولهذا تجد كثيرًا من المنحرفين في العقائد والأعمال يحتجون على انحرافهم بهذه الآيات المتشابهة).
طيب، إذن انتبهوا لهذه الحكمة يا إخوان، قد يقول قائل: لماذا لم يجعل الله القرآن كله محكمًا؟ نعم، للامتحان والاختبار؛ لأنه لا يمكن معرفة المؤمن حقًّا من غيره إذا كان كله محكمًا؛ لأن كلًّا سيؤمن به، لماذا لم يكن كله متشابهًا؟ لأنه لو كان كذلك لم يكن هدى للناس ولا فرقانًا بين الباطل والحق، ولأصبح الناس في شك في عقائدهم وفي أعمال جوارحهم. طيب بحث جديد.

***

موهم التعارض في القرآن
01:14:02

(موهم التعارض في القرآن).

وهذا من أهم ما يكون معرفة، يعني أنه يجب علينا أن نعرفه تمامًا؛ وهنا قلنا: (موهم التعارض) ولم نقل: التعارض في القرآن، لماذا؟
طلبة: لا تعارض.
الشيخ: لأنه لا تعارض، وإنما يتوهم الواهم أن هناك تعارضًا.
يقول: (التعارض أن تتقابل آيتان بحيث يمنع مدلول إحداهما مدلول الأخرى، مثل أن تكون إحداهما مثبتة لشيء والأخرى نافية له).
هذا التعارض، يعني التقابل من كل وجه يسمى تعارضًا؛ لأن كل واحد اعترض طريق الآخر ومنعه، والتعارض يقول: (ولا يمكن أن يقع التعارض بين آيتين مدلولهما خبري)، هذا ضابط، التعارض بين آيتين مدلولهما خبري لا يمكن أن يكون، يعني لا يمكن أن يخبر الله بشيء ثم يخبر بضده، هذا مستحيل، ليش؟ لأن الله تعالى عالم بكل شيء ولا يمكن أن يكون جاهلًا ثم علم، ولهذا يقول هنا: (ولا يمكن أن يقع التعارض بين آيتين مدلولهما خبري؛ لأنه يلزم كون إحداهما كذبًا، وهو مستحيل في أخبار الله).
أيضًا يلزم شيء آخر أشرنا إليه، يلزم أن يكون الله تعالى جاهلًا ثم علم، فيلزم علي الآن إما أن يكون الله -وحاشاه- كاذبًا، وإما أن يكون -وحاشاه أيش؟- جاهلًا، وكلاهما ممتنع، أنا لو قلت: جاء زيد في الساعة التاسعة والنصف، هذا خبر ويش مدلوله؟ مجيء زيد في هذا الوقت الساعة التاسعة والنصف، ثم قلت: لم يأت زيد في الساعة التاسعة والنصف أيش هذا؟
يلزم أني كاذب إما في الخبر الأول وإما في الخبر الثاني، أو أنني كنت جاهلًا وتبين أنه ليس كذلك، كنت جاهلا أنه قدم الساعة التاسعة والنصف ثم تبين لي فقلت: لم يقدم، ومعلوم أن الله عز وجل ليس في خبره كذب، وليس في خبره جهل، بل هو جل وعلا أصدق القائلين، وأعلم العالمين، هذه لو ألحقت لكانت جيدة: (لأنه يلزم كون إحداهما كذبًا)، (أو صادرًا عن جهل) بعد (كذبًا).
(وهو مستحيل في أخبار الله تعالى، قال الله تعالى: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا [النساء: ٨٧] وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [النساء: ١٢٢]) فنفى الله عز وجل أن يكون أحد أصدق منه حديثًا أو قولًا (ولا يمكن أن يقع التعارض بين آيتين مدلولهما حكمي؛ لأن الأخيرة منهما ناسخة للأولى)، هذا أيضًا ضابط آخر (لا يمكن أن يقع التعارض بين آيتين مدلولهما حكمي) أفهمتم؟ وهنا يقول: (لأن الأخيرة ناسخة للأولى) لماذا لم يقلِ المؤلف: فيطلب الترجيح لو وقع التعارض؟
لأنه لا ترجيح في القرآن، القرآن كله ثابت بطريق واحد، كله ثابت عن طريق التواتر، ولكن تكون الأخيرة ناسخة للأولى. وهل يلزم من ذلك إثبات النسخ؟
الجواب نعم، وقع النسخ في القرآن الكريم إما نسخ اللفظ أو نسخ المعنى أو نسخ الحكم أو نسخ اللفظ والحكم، قال الله تعالى: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا [البقرة: ١٠٦] مَاإعرابها؟
طالب: مَانافية.
الشيخ: نافية.
الطالب: لا محل لها من الإعراب ونَنْسَخْفعل مجزوم.
الشيخ: ويش جازمه؟
الطالب: ما النافية.
الشيخ: ما النافية، نعم.
الطالب: مجزوم وعلامة جزمه السكون الظاهر على آخره، والفاعل..
الشيخ: ألم تعلم أنك وقعت في ظلمتين؟ نعم.
طالب: ما أدري.
الشيخ: ما تدري؟ لماذا تكون متشوفًا للسؤال؟ نعم.
طالب: مَااسم شرط جازم.
الشيخ: إذن، (ما) اسم شرط، ما هي نافية، صح؟
الطالب: نَنْسَخْفعل الشرط.
الشيخ: فعل الشرط مجزوم بـ(ما)؟
الطالب: (...).
الشيخ: الشرطية، لا بـ(ما) النافية بارك الله فيك. مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍأي آية ينسخها الله فإنه يقول: نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا، إذا أتى بخير منها فالنسخ واضح أن فيه فائدة، إذا أتى بمثلها ما الفائدة؟ الفائدة امتحان العباد؛ لأنه إذا كان النسخ بمماثل قد يقول قائل: ويش الفائدة؟ فسأبقى على الحكم الأول، ولا آخذ بالنسخ؛ إذ لا فائدة، فصار نسخ الحكم إلى مماثل فيه فائدة عظيمة وهي اختبار الإنسان، اختبار المكلف هل يستسلم ويذعن أو لا يستسلم ولا يذعن؟
(وإذا ثبت النسخ كان حكم الأولى غير قائم ولا معارض للأخيرة) أفهمتم؟ طيب، قال الله تعالى: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا [الأنفال: ٦٥] كم الواجب أن يصبر الإنسان، مع عشرة أمثاله؟ ثم قال: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْن [الأنفال: ٦٦] كم صار الواحد يقابل؟ اثنين، هل حكم الأولى باق أو لا؟ لا، نسخه، وحينئذ لا تعارض بين الآيتين؛ لأن إحداهما ناسخة للأولى.
(وإذا رأيت ما يوهم التعارض من ذلك فحاول الجمع بينهما، فإن لم يتبين لك وجب عليك التوقف وتكل الأمر إلى عالمه). ما قال: وجب عليك الترجيح إذا لم يمكن الجمع.
طلبة: (...).
الشيخ: لأنه لا يمكن في القرآن. المهم إذا رأيت ما يوهم التعارض فاجمع بينهما، هذا الواجب عليك قبل كل شيء، فإن لم يتبين الجمع ولا التاريخ فالواجب التوقف وأن تقول: سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا [البقرة: ٣٢].
(وقد ذكر العلماء رحمهم الله أمثلة كثيرة لما يوهم التعارض، وبينوا الجمع في ذلك، ومن أجمع ما رأيت في هذا الموضوع كتاب دفع إيهام الاضطراب عن آي الكتاب للشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى).
كتابه كتاب صغير دفع إيهام الاضطراب عن آي الكتاب جمع فيه كل ما أمكنه من آيات القرآن العزيز التي ظاهرها التعارض وجمع بينها.
يقول: (فمن أمثلة ذلك: قوله تعالى في القرآن: هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: ٢] وقوله تعالى: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ [البقرة: ١٨٥]) فكيف نجمع يا إخوان؟ هُدًى لِلْمُتَّقِينَوهُدًى لِلنَّاسِأيهما أعم؟
الناس، الناس أعم؛ لأنه يشمل المتقي وغير المتقي، فلا بد من الجمع، الجمع إما أن نقول هدى للمتقين وهدى للناس معناهما واحد، والمراد بالناس الخصوص، أي الناس المتقين، وحينئذٍ فيه تعارض أو لا؟ لا تعارض، ما دمنا فسرنا الناس بالمتقين فالآية الأخرى: هُدًى لِلْمُتَّقِينَأو نقول -جمع آخر-: الهدى نوعان: هدى دلالة وهدى التزام، فباعتباره هدى دلالة يكون هدى للناس جميعًا، وباعتبار الهدى الالتزام يكون هدى للمتقين؛ لأنهم هم الذين يلتزمون به.
اسمع إلى جمعه: (فجعل هداية القرآن في الآية الأولى خاصة للمتقين وفي الآية الثانية عامة للناس، والجمع بينهما أن الهداية في الأولى هداية التوفيق والانتفاع، والهداية الثانية هداية التبيين والإرشاد).
يعني ذكرنا وجهًا واحدًا ما هو؟ أن نجعل معنى الهداية في الآيتين مختلفًا، فنقول: هُدًى لِلنَّاسِهذا هداية الدلالة والإرشاد. هُدًى لِلْمُتَّقِينَهداية التوفيق والتنفيذ والقيام بشرعه، جمعنا وجه آخر ذكرناه الآن وهو أن نجعل الجمع بين كلمة الناس والمتقين؛ فنقول: هُدًى لِلنَّاسِالذين هم المتقون، ويكون هذا من باب إطلاق العام وإرادة الخاص، فصار الآن وجه الجمع إما أن يكمن في الهدى وإما أن يكمن في الناس والمتقين، ففي الهدى نجعل: هُدًى لِلنَّاسِهداية إرشاد ودلالة، وهُدًى لِلْمُتَّقِينَإرشاد توفيق وتنفيذ، وفي الناس نجعل الناس عامًّا أريد به الخاص.
ونظير هاتين الآيتين قوله تعالى في الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص: ٥٦] وقوله فيه: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى: ٥٢] كيف نجمع؟ نقول: الهداية نوعان: هداية توفيق، فهذه لا تكون للرسول صلى الله عليه وسلم ولا لغيره، وهداية الإرشاد تكون له ولغيره، ولذلك قال: (فالأولى هداية التوفيق والثانية هداية التبيين) الثانية ما هي؟ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
(ومن أمثلة ذلك أيضا قوله تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ [آل عمران: ١٨] وقوله: وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران: ٦٢] وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ [القصص: ٨٨] وقوله: فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ [هود: ١٠١] ففي الآيتين الأوليين نفي الألوهية عما سوى الله، وفي الأخريين إثبات الألوهية لغيره) وهذا تعارض ولّا غير تعارض؟ تعارض؛ لأن الإثبات والنفي بينهما غاية التعارض.
(والجمع بين ذلك أن الألوهية الخاصة بالله عز وجل هي الألوهية الحق، وأن المثبتة لغيره هي الألوهية الباطلة؛ لقول الله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِير [الحج: ٦٢]).
قوله: أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّيعني أن الله سبحانه وتعالى هو الإله الحق الذي ليس في ألوهيته باطل وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُوهُوَأيش إعرابه؟
طالب: (...).
الشيخ: إعراب هُوَ؟
الطالب: بدل .
الشيخ: لا يا شيخ.
الطالب: بأن الله..
الشيخ: غلط.
الطالب: خبر يا شيخ.
الشيخ: غلط.
طالب: (...) خبر إن.
الشيخ: خبر إن! هل تم الكلام؟ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَما تم الكلام.
طالب: ضمير فصل.
الشيخ: ضمير فصل لا محل له من الإعراب، والشاهد على أن ضمير الفصل لا محل له من الإعراب قوله تعالى: لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ [الشعراء: ٤٠]؟
الطلبة: الْغَالِبِين.
الشيخ: الْغَالِبِينولا الغالبون؟ الْغَالِبِين، ولو كان له محل من الإعراب لكانت الآية (إن كانوا هم الغالبون) إذن ضمير الفصل لا محل له من الإعراب، وفائدته، فائدة ضمير الفصل؟
طالب: التخصيص.
الشيخ: التخصيص، يعني أنت قاربت ولما.
طالب: الحصر.
الشيخ: الحصر؟
طالب: التوكيد.
الشيخ: التوكيد.
طالب: الفصل بين الصفة والخبر.
الشيخ: الفرق بين الصفة والخبر، ولهذا سميناه ضمير فصل، الفوائد إذن كم؟
الطالب: ثلاثة يا شيخ.
الشيخ: اترك (شيخ).
الطالب: ثلاثة يا شيخ.
الشيخ: ثلاثة، بس، ثلاثة يا شيخ؟! إنني خاطبت رجلًا من البلاد المجاورة -ولا أحب أن أسمي البلاد- يكثر فيها الحلف بالنبي فقال: والنبي أفتني. قلت: اصبر، أفتيك قبل، قولك: والنبي هذا شرك ما يجوز، لكن إن شاء الله لن تعود إليه، قال: والنبي لا أعود إليه! سبحان الله! تحلف بما أنهاك عنه؟! فهو أنت الآن.
طيب فائدة ضمير الفصل؟
الطالب: ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة.
الطالب: التوكيد.
الشيخ: التوكيد.
الطالب: والحصر.
الشيخ: والحصر.
الطالب: تمييز الصفة.
الشيخ: من الخبر، طيب صحيح.